بعد أن أسدل الستار على ماراثون انتخابات مجلس النواب 2025، وما حمله من رسائل سياسية مهمة حول استقرار الدولة وحرصها على إنجاح الاستحقاق الدستوري، توقفت عند تصريح أدلت به النائبة نيفين إسكندر، عضو مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، خلال ظهورها في برنامج الحكاية مع الإعلامي عمرو أديب، في خضم سجال إعلامي واضح مع الكاتب الصحفي مجدي الجلاد، حين قالت إن السياسة يا تحكم يا تتحبس، عبارة صادمة قيلت على الهواء مباشرة، وحولت الحوار من نقاش سياسي طبيعي إلى عنوان جدلي أثار تساؤلات واسعة، ليس فقط بسبب حدتها اللغوية، ولكن أيضا لما تحمله من دلالات مقلقة في توقيت بالغ الحساسية عقب انتهاء استحقاق انتخابي يفترض أن يؤسس لخطاب أكثر اتزانا ونضجا.
من وجهة نظري، هذا التوصيف المختزل للسياسة لا يتسق مع ما شهدناه فعليا خلال انتخابات 2025، التي جرت في إطار دستوري وقانوني واضح، وتحت إشراف قضائي كامل، مع تأكيدات رسمية متكررة بعدم السماح بأي تجاوز أو خروج عن قواعد المنافسة، فالدولة، خلال هذا الاستحقاق، سعت إلى إرسال رسالة مفادها أن المشاركة السياسية حق، وأن التنافس مشروع، وأن الاختلاف في الرأي لا يعني الإقصاء أو العقاب.
القول بأن السياسة إما تحكم أو تتحبس قد يفهم باعتباره تعبيرا مجازيا عن صعوبة العمل السياسي، لكنه في الوقت نفسه يحمل دلالة خطيرة، خاصة لدى الشباب، إذ قد يوحي بأن المجال العام مغلق، أو أن التعبير السياسي محفوف بالمخاطر، وهو ما يتناقض مع الواقع الذي نشهده، حيث تم الدفع بالعديد من الوجوه الشابة إلى البرلمان، ومنحهم الفرصة للمشاركة في صنع القرار من داخل المؤسسات الشرعية.
السياسة، في تقديري، ليست معركة كسر عظام، ولا ساحة تصفية حسابات، بل ممارسة واعية ومسؤولة، لها ضوابطها وحدودها، لكنها لا تقوم على التخويف أو الترهيب، وهي أيضا ليست مجرد كلمات تقال على الشاشات، بل أفعال تقاس بنتائجها على الأرض، وبمدى تعبيرها عن هموم الناس وقدرتها على تقديم حلول حقيقية.
بعد انتهاء انتخابات مجلس النواب 2025، نحن في حاجة ماسة إلى خطاب سياسي أكثر اتزانا ونضجا، خطاب يطمئن المواطن ولا يربكه، ويشجع الشباب على المشاركة بدلا من تخويفهم، ويؤكد أن السياسة ليست طريقا ذا اتجاه واحد، بل مساحة عمل عام، من يجتهد فيها قد ينجح أو يفشل، لكنه يظل محميا بالقانون، ومحاسبا بالقواعد الديمقراطية، لا بمنطق الغلبة أو الإقصاء، فالسياسة، في النهاية، ليست إما تحكم أو تتحبس، وإنما مسؤولية وطنية، ومشاركة عامة، واختبار دائم لمدى قدرتنا على إدارة الاختلاف دون أن نخسر الدولة أو نخيف المجتمع.