قصر العيني… حين لا تعرف المسؤولية إجازة
مع حلول الأعياد والمناسبات الرسمية، وفي مقدمتها عيد الميلاد المجيد، تتوقف عجلة العمل في كثير من القطاعات، لكن داخل أسوار المستشفيات الجامعية، وبخاصة قصر العيني، لا تعرف الرسالة الطبية معنى التوقف أو الانتظار. فهناك، تمتزج المهنية بالإنسانية، ويتحول الواجب الوظيفي إلى التزام وطني خالص، تُترجم فيه قيم التضحية والانضباط إلى واقع يومي يلمسه آلاف المرضى. وفي هذه الأوقات الاستثنائية، تتجلى صورة الطبيب المصري الذي يضع صحة المواطن فوق كل اعتبار، ليؤكد أن العمل الطبي رسالة مستمرة لا تخضع لتقويم الإجازات أو المناسبات.
يُعد قصر العيني أحد أقدم وأعرق الصروح الطبية في مصر والمنطقة، وقد ظل على مدار تاريخه الطويل رمزًا للعلم والخدمة العامة. ومع كل إجازة رسمية أو مناسبة دينية، تتجدد مكانته كملاذ آمن للمواطنين، خصوصًا الفئات الأكثر احتياجًا. فالعمل داخل هذا الصرح لا يرتبط بساعات دوام تقليدية، بل يقوم على جاهزية دائمة واستعداد كامل لمواجهة أي طارئ. ويعكس استمرار العمل خلال الأعياد إيمان الأطباء والعاملين بأن دورهم يتجاوز حدود المهنة ليصل إلى صميم المسؤولية الوطنية، حيث تصبح المستشفى جزءًا من منظومة الأمن الصحي للمجتمع.

اكد الأستاذ الدكتور حسام صلاح عميد كلية طب جامعة القاهرة، تأتي مستشفى الطوارئ بقصر العيني في مقدمة هذه المنظومة، باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة الحوادث والحالات الحرجة. فالمستشفى تعمل على مدار الساعة دون توقف، مستقبلةً مختلف أنواع الطوارئ من إصابات حوادث الطرق إلى الحالات المرضية المفاجئة والمعقدة. وخلال فترات الإجازات، تتضاعف أهمية هذا الدور، نظرًا لزيادة معدلات الحوادث والتجمعات. ويعكس هذا الاستعداد الدائم حجم الجهد المبذول من الفرق الطبية والتمريضية والفنية، التي تعمل بتناغم كامل لضمان سرعة التدخل ودقة التشخيص، حفاظًا على حياة المرضى وسلامتهم.

وفي هذا الإطار، جاءت الجولة التفقدية التي قام بها الدكتور محمد عادل، نائب مدير مستشفى الطوارئ، بمتابعة من الدكتور أحمد ماهر، مدير مستشفى الطوارئ، لتؤكد حرص الإدارة على المتابعة الميدانية المباشرة. وشملت الجولة الاطمئنان على حالات المرضى والمترددين، ومراجعة انتظام العمل داخل الأقسام المختلفة، والتأكد من جاهزية الفرق الطبية وتوافر المستلزمات الحيوية. وتعكس هذه الجولات فلسفة إدارية تعتمد على التواجد الفعلي واتخاذ القرار من أرض الواقع، بما يضمن الحفاظ على كفاءة الأداء واستمرارية تقديم الخدمة الطبية خلال فترات الإجازات دون أي تراجع.
وعقب انتهاء الجولة، تم رفع تقرير تفصيلي عن سير العمل وأوضاع المستشفى إلى الأستاذ الدكتور حسام صلاح مراد، عميد كلية طب قصر العيني ورئيس مجلس إدارة المستشفيات، والدكتور حسام حسني، المدير التنفيذي لمستشفيات الجامعة. وتُعد هذه التقارير أداة أساسية لضمان التواصل المؤسسي بين الإدارة العليا والفرق التنفيذية، بما يسمح برصد التحديات والتعامل معها بشكل فوري. كما تعكس هذه الآلية حرص قيادة قصر العيني على ترسيخ مبدأ المحاسبة والمتابعة المستمرة، باعتباره أحد أعمدة الحفاظ على جودة الخدمة الطبية داخل المستشفيات الجامعية.
وفي هذا السياق، أكد المدير التنفيذي للمستشفيات جامعة القاهرة، أن مستشفى الطوارئ بقصر العيني تمثل أحد الأعمدة الأساسية للمنظومة الصحية المصرية، وخط الدفاع الأول في مواجهة الحالات الحرجة. وشدد على أهمية المتابعة اليومية والإشراف الدائم خلال فترات الإجازات، مشيدًا بالدور الحيوي الذي تقوم به الفرق الطبية وأطقم التمريض. وأوضح أن الالتزام والانضباط داخل المستشفى يعكسان تاريخ الكلية العريق وروح المسؤولية الوطنية التي تتحلى بها، مؤكدًا أن الحفاظ على هذا المستوى من الأداء هو واجب مهني وأخلاقي تجاه المجتمع والدولة.

من جانبه، أضاف الاستاذ الدكتور احمد ماهر مدير مستشفي الاستقبال والطوارئ قصر العيني، أن التنسيق المستمر بين الإدارة التنفيذية والفرق الميدانية هو الضمان الحقيقي للحفاظ على أعلى معايير الجودة في التعامل مع الحالات الطارئة. وأشار إلى أن هذا التناغم المؤسسي يعزز قدرة المستشفى على العمل بكفاءة عالية خلال الإجازات، مع الحفاظ على سلامة المرضى وفعالية الرعاية الصحية. كما أشاد بجهود الأطباء وأطقم التمريض والفنيين، الذين يجسدون يومًا بعد يوم الدور الوطني لقصر العيني كصرح طبي رائد لا يتخلى عن مسؤوليته مهما كانت الظروف.
في النهاية، يثبت قصر العيني، ومعه مستشفى الطوارئ، أن الوطنية لا تُرفع شعارات، بل تُمارس أفعالًا داخل غرف الطوارئ وأروقة المستشفيات. فبينما يحتفل المجتمع بمناسباته وأعياده، يواصل أطباء هذا الصرح أداء رسالتهم بصمت وإخلاص، محافظين على أرواح المرضى وكرامتهم. إنها صورة مشرفة للطب المصري، تؤكد أن قصر العيني سيظل دائمًا عنوانًا للتضحية والعلم، وحصنًا منيعًا لصحة المصريين في كل وقت وحين.