خلال الأيام الماضية، دار بيني وبين مجموعة من الاصدقاء الإعلاميين والسياسيين نقاش حاد حول التغيير الوزاري المرتقب، وخرجنا جميعا بإجماع واحد، بان الدولة بحاجة إلى مسؤولين قادرين على الإنجاز والمساءلة، هذا الحوار كشف بوضوح أن الشارع والإعلام لا يطالبان فقط بالتغيير، بل يطالبان بمحاسبة الأداء المتراكم قبل الإعلان عن أي أسماء جديدة.
فالتعديل الوزاري المرتقب ليس ترفا سياسيا، ولا حركة تجميلية تفرضها تقاليد ما بعد انعقاد البرلمان، بل هو لحظة حساب حقيقية مع نمط إداري استهلك بالكامل، فالدولة التي تدخل مرحلة برلمانية مكتملة لا تستطيع أن تدار بذات الأدوات القديمة، ولا أن تكمل الطريق بذات الوجوه التي اعتادت العمل في مساحة رمادية بعيدة عن المساءلة والضغط الشعبي.
حين نقول إن هؤلاء خارج الوزارة، فنحن لا نمارس تنبؤا ولا نطلق أحكاما شخصية، بل نصف واقعا سياسيا أصبح واضحا لكل من يراقب المشهد، نحن أمام نهاية صلاحية نمط كامل من المسؤولين، لا أزمة أسماء، فالتعديل الوزاري الجديد، وفق كل المؤشرات، يستهدف إزاحة أدوار فشلت في مواكبة التطوير.
أول معايير الخروج يتمثل في الفشل في تحويل السياسات إلى واقع، فالمسؤول الذي اكتفى لسنوات بإلقاء الخطب ورفع الشعارات، دون أن يلمس المواطن أثرا حقيقيا على الأرض، لم يعد مقبولا بقاؤه، الدولة لم تعد تحتمل مسؤولا يشرح أكثر مما ينجز، أو يبرر أكثر مما يحل.
المعيار الثاني هو الغياب السياسي المريب، ففي لحظة تتوسع فيها أدوات الرقابة البرلمانية، يصبح استمرار وزير أو محافظ عاجز عن الدفاع عن قراراته تحت القبة، أو عن مواجهة الرأي العام وقت الأزمات، نوعا من التواطؤ الإداري، فالصمت هنا لم يعد حكمة، بل تقصيرا، والاختباء خلف البيانات الرسمية لم يعد حيادا، بل عجزا عن المواجهة.
أما المعيار الثالث، فهو الجمود الإداري وفقدان القدرة على المبادرة، فبعض المسؤولين تحولوا إلى مجرد مديري ملفات، يديرون الأزمات بالحد الأدنى، ويتجنبون القرار الجريء خشية المحاسبة، هذا النمط ربما كان مقبولا في مراحل سابقة، لكنه اليوم يمثل خطرا مباشرا على كفاءة الدولة في لحظة تتطلب سرعة وحسما ومرونة.
ويبرز المعيار الرابع في تحميل الدولة كلفة سياسية بلا عائد، فهناك مواقع تنفيذية تحولت إلى عبء ثقيل على الحكومة، ومصدر غضب دائم للشارع، لا بسبب قسوة السياسات، بل بسبب سوء إدارتها وغياب التواصل، والإبقاء على هذه الوجوه لم يعد تعبيرا عن استقرار، بل عن تجاهل لحقيقة المشهد، وهو ما تسعى الدولة إلى تصحيحه.
إضافة إلى ذلك، يظل مكافحة الفساد والفاسدين محورا لا يمكن تجاوزه في أي تعديل وزاري، فالدولة، في هذه المرحلة، ليست في حاجة إلى مسؤولين مجردين من الكفاءة، بل إلى مسؤولين نظيفي الكف، حازمين في محاربة أي اختلال، وقادرين على منع الانزلاق نحو المحسوبيات أو استغلال النفوذ، الفاسدون أو المتواطئون مع ممارسات غير قانونية لم يعد لهم مكان، فالدولة تتجه بقوة نحو تصفيه الملفات المعلقة، وتطهير الإدارة من كل تأثير مشبوه، سواء في الوزارات أو المحافظات، مع توجيه رسالة صارمة، من يعبث بالمال العام أو يعرقل تنفيذ السياسات لن يظل في موقعه مهما كانت مكانته السابقة.
في هذا الإطار، يصبح الخروج من الحكومة قرارا وقائيا لا عقابيا، لكنه في الوقت ذاته رسالة حاسمة، لا مكان بعد اليوم لمسؤول بلا حضور، ولا وزير بلا شجاعة سياسية، ولا محافظ يدير مكتبه أكثر مما يدير محافظته، التشكيل الوزاري الجديد لن يكون مجرد إعلان أسماء، بل إعلان نهاية مرحلة كاملة من الإدارة البطيئة، وبداية مرحلة تقاس فيها المواقع بالإنجاز لا بالجلوس على الكراسي.