عبدالرحيم عبدالباري
في لحظة تستحق أن تُسجل بأحرف من نور، يسطع إنجاز طبي مصري جديد ليؤكد أن الاستثمار في العقول لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية. فمن قلب مستشفى مبرة مصر القديمة، التابعة للمؤسسة العلاجية بوزارة الصحة والسكان، خرج ابتكار طبي عالمي في علاج انسداد الشرايين التاجية المستعصية، ليضع اسم مصر بقوة على خريطة الابتكار الطبي الدولي، ويعكس حجم التطور الذي تشهده المنظومة الصحية المصرية بقيادة واعية ودعم مؤسسي حقيقي للبحث العلمي.

يمثل هذا الإنجاز الطبي الفريد ترجمة حقيقية لرؤية الدولة المصرية في دعم البحث العلمي وتوطين أحدث التقنيات العلاجية داخل المستشفيات الحكومية. فقد أشادت وزارة الصحة والسكان، برئاسة الأستاذ الدكتور خالد عبدالغفار نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، بهذا النجاح الذي تحقق في واحد من أكثر مجالات الطب دقة وتعقيدًا، وهو علاج الانسداد المزمن الكامل للشرايين التاجية. ويؤكد هذا الإنجاز أن المنظومة الصحية لم تعد تكتفي بتقديم الخدمة العلاجية فقط، بل أصبحت شريكًا فاعلًا في إنتاج المعرفة الطبية عالميًا.
ويأتي هذا التفوق العلمي تحت مظلة المؤسسة العلاجية، التي يقودها الدكتور محمد شقوير رئيس مجلس إدارة المؤسسة، والذي لعب دورًا محوريًا في توفير البيئة الداعمة للبحث والابتكار داخل مستشفيات المؤسسة. فقد أتاح الدعم المؤسسي والتشجيع المستمر للفرق الطبية الفرصة لتحويل التحديات الإكلينيكية اليومية إلى حلول علمية مبتكرة، تُسهم في إنقاذ حياة المرضى، وتُجنبهم مخاطر الجراحات الكبرى، وتضع المؤسسات الحكومية في منافسة مباشرة مع كبرى المراكز الطبية العالمية.
ولا يمكن الحديث عن هذا الإنجاز دون الإشارة إلى الدور القيادي للدكتور خالد لاشين، مدير مستشفى مبرة مصر القديمة، الذي آمن بقدرات فريقه الطبي ووفّر لهم كل سبل الدعم الإداري والفني. فقد تحولت المستشفى، في عهده، إلى بيئة خصبة للابتكار والتطوير، حيث تلاقت الخبرة الإكلينيكية مع البحث العلمي، لتنتج تقنية طبية متطورة نجحت في رفع نسب فتح الشرايين المغلقة كليًا، وتقليل نسب المضاعفات، وتحقيق نتائج علاجية غير مسبوقة.
ويعكس نشر هذه التقنية في مجلة Wiley العالمية المصنفة ضمن فئة (Q1) أعلى درجات التقدير العلمي الدولي، حجم الجهد المبذول والدقة المنهجية التي اتبعها الفريق الطبي. كما أن تسجيل الابتكار باسم أطباء مصريين يؤكد أن الكفاءات الوطنية قادرة على المنافسة والريادة عندما تتوافر لها الثقة والدعم. وقد أشاد الأستاذ الدكتور خالد عبدالغفار بهذا الإنجاز، معتبرًا إياه نموذجًا يحتذى به لما يجب أن تكون عليه المستشفيات الحكومية من مراكز علاج وبحث وابتكار في آن واحد.
إن هذا النجاح لا ينعكس فقط على سمعة مصر الطبية عالميًا، بل يترجم بشكل مباشر إلى مكاسب حقيقية للمريض المصري، الذي بات يحصل على أحدث تقنيات العلاج داخل بلاده وبتكلفة أقل، ودون الحاجة للسفر للخارج. وهو ما أكده الدكتور محمد شقوير، مشددًا على أن المؤسسة العلاجية ستواصل دعم مثل هذه النماذج المضيئة، وتعزيز ثقافة البحث العلمي، بما يضمن استدامة التطوير ورفع كفاءة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين وفق أعلى المعايير الدولية.
ومن جانبه، أكد الدكتور خالد لاشين أن مستشفى مبرة مصر القديمة ستظل منصة للتميز والريادة، وأن ما تحقق اليوم هو بداية لسلسلة من النجاحات القادمة. فالفريق الطبي، الذي عمل لسنوات بصمت وإصرار، أثبت أن الإبداع لا يعرف حدودًا جغرافية، وأن المستشفيات الحكومية قادرة على صناعة الفارق عالميًا عندما تُدار بعقلية علمية ورؤية استراتيجية واضحة، مدعومة بقيادات تؤمن بالعلم والإنسان.
إن ما تحقق في مبرة مصر القديمة ليس مجرد إنجاز طبي عابر، بل رسالة واضحة بأن مصر تمتلك من العقول والخبرات ما يؤهلها لقيادة المستقبل الطبي في المنطقة والعالم. هو إنجاز يعكس تكامل الرؤية بين القيادة السياسية ووزارة الصحة والمؤسسات العلاجية، ويؤكد أن دعم البحث العلمي هو الطريق الحقيقي لبناء منظومة صحية قوية ومستدامة. واليوم، تقف مصر فخورة بما قدمه أبناؤها، وهي تفتح صفحة جديدة من الريادة الطبية العالمية.