بحكم عملي في المجال الإعلامي، ودراستي بكلية الإعلام – جامعة القاهرة، حيث تشكل وعيي المهني على أسس علمية واضحة، تعلمت مبكرا أن الكلمة ليست مجرد رأي عابر، بل مسؤولية عامة قد تؤثر في اتجاهات الرأي العام وتصنع حالة مجتمعية كاملة، وقد ترسخ هذا المعنى لدي بشكل خاص من خلال دراستي لمادة الرأي العام للدكتور مختار التهامي، مؤسس دراسات الرأى العام فى مصر والعالم العربى الذى كان يؤكد دائما أن خطورة الكلمة لا تقل أبدا عن خطورة الفعل، وربما تفوقه أحيانا، خاصة حين تصدر عن شخصية عامة أو مسؤول في موقع مؤثر.
ومن هذا المنطلق المهني والأكاديمي، جاءت تصريحات منسوبة للكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، والتي قال فيها إن جمهور المغرب كان ضد منتخب مصر، لتفرض نفسها على الساحة الرياضية والإعلامية، لا باعتبارها مجرد انفعال لحظي، بل خطابا عاما صادرا عن مدرب منتخب وطني، يحمل في طياته دلالات أوسع من إطار مباراة كرة قدم، وقابلا لإشعال حالة من الاحتقان بين جماهير دولتين شقيقتين تجمعهما روابط تاريخية وثقافية عميقة.
كرة القدم، بحكم شعبيتها الجارفة، لم تعد مجرد لعبة أو نتيجة داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت قوة ناعمة مؤثرة، وكلمة واحدة من مسؤول رياضي بحجم مدرب منتخب مصر قادرة على تهدئة مشاعر الملايين أو تأجيجها، ومن هنا، فإن تعميم موقف أو تحميل جماهير دولة بأكملها مسؤولية تصرفات فردية – إن وجدت – يعد خطأً مهنيا جسيما لا يليق بتاريخ المنتخب المصري ولا بمكانته القارية والدولية.
الجماهير المغربية، مثلها مثل الجماهير المصرية، عرفت عبر سنوات طويلة بحبها لكرة القدم وشغفها بالمنافسة الشريفة، ولم يكن يوما من سماتها العداء أو الكراهية، بل على العكس، شهدت بطولات وملاعب عديدة مواقف تضامن وتشجيع متبادل بين الجماهير في البلدين، أكدت دائما أن المنافسة الرياضية، مهما اشتدت، لم تكن يوما مبررا للخصومة أو القطيعة.
الأخطر في مثل هذه التصريحات أنها قد تفسر على أنها اتهام مباشر لجماهير بأكملها، أو محاولة لتصدير الإخفاقات الفنية إلى خارج الملعب، وهو ما يفتح الباب أمام فتنة جماهيرية لا تخدم الرياضة ولا تضيف شيئا لمسيرة المنتخب أو للجهاز الفني، فالخسارة أو التعادل جزء طبيعي من كرة القدم، ولا يجب أن يتحول إلى خطاب اتهامي، بل إلى مراجعة فنية صادقة وشجاعة للأداء والاختيارات داخل الملعب.
المسؤولية هنا لا تقع على فرد بعينه فقط، بل على المنظومة الرياضية والإعلامية كاملة، التي يجب أن تدرك أن الخطاب الرياضي أصبح جزءا لا يتجزأ من تشكيل الوعي العام، وأن الانفعال غير المحسوب قد يتحول سريعا إلى أزمة رأي عام، فالمدرب، قبل أن يكون صاحب قرار فني، هو سفير لبلده، وكلماته تحسب عليه، وعلى المنتخب الذي يمثله، وعلى الدولة التي يقف اسمها خلف هذا المنتخب.
إن العلاقات المصرية-المغربية أكبر وأعمق من مباراة كرة قدم، وأقوى من تصريح عابر، هي علاقات تاريخ وثقافة ونضال مشترك واحترام متبادل بين شعبين شقيقين، لا يمكن أن تهتز بسبب انفعالات لحظية أو تصريحات غير موفقة.
ختاما، يبقى الأمل قائما في مراجعة مثل هذه التصريحات وتوضيحها بشكل مسؤول يقطع الطريق أمام أي تأويل سلبي، حفاظا على الروح الرياضية، وصونا لعلاقة شعبين لا ينبغي أن تكون كرة القدم سببا في توتيرها، بل جسرا لتعزيز التقارب والمحبة بينهما.