حسين السمنودي
في زمنٍ تتسارع فيه الضغوط، وتتشابك فيه العلاقات، وتُستنزف فيه المشاعر بلا رحمة، يجيء الحديث عن الذات لا باعتباره ترفًا فكريًا أو عنوانًا من عناوين التنمية البشرية، بل كضرورة إنسانية ملحّة، وصرخة وعي في وجه عالم لا يكفّ عن المطالبة بالعطاء دون أن يسأل: هل بقي في القلب متسع؟
مشروع كتاب «الذات» للدكتورة مها عجلان ينطلق من عمق التجربة الإنسانية، لا من سطح التنظير. إنه كتاب يغوص داخل الإنسان، يفتّش في زواياه المنسية، ويعيد طرح سؤال جوهري طال تجاهله: كيف نحمي أنفسنا من القهر، ومن الاستنزاف، ومن العلاقات التي تتخفّى في ثوب الحب وهي تمارس القتل البطيء للأمل؟
الكتاب يلامس وجعًا مشتركًا بين كثيرين؛ وجع العطاء بلا حدود، والإنصات الدائم للآخرين، والتنازل المستمر عن الذات حتى تتحول الروح إلى مساحة خالية، ويصبح القلب شريانًا فارغًا لا يضخ إلا الألم. هنا لا يُدان الحب، بل تُدان العلاقات السامة التي تفرغ المشاعر من معناها، وتترك الإنسان في نهاية الطريق مكسورًا، مخنوق الروح، ذابل الأثر.
وتبرز حماية الذات كفكرة مركزية، لا بوصفها انسحابًا أو أنانية، بل باعتبارها وعيًا ناضجًا وحدًّا فاصلًا بين ما يُحتمل وما لا يُحتمل. حماية الذات هي أن تعرف متى تعطي، ومتى تتوقف، ومتى تقول «كفى» دون شعور بالذنب. هي أن تدرك أن طاقتك محدودة، وأن استمرارك في الحياة مرهون بإعادة ترتيب الداخل قبل محاولة إصلاح الخارج.
لغة الكتاب شاعرية، عميقة، تلامس الليل والظلام والغوص في العتمة، لتؤكد أن الإنسان أحيانًا يقود نفسه إلى مناطق مظلمة، بقصد أو دون قصد، وحينها لا يكون الخلاص بضوء كاشف، بل بشموع صغيرة من الوعي، وبقرار شجاع: أن نحمي أنفسنا قبل أن نفقدها.
وفي هذا السياق، يتحول الوعي إلى أسلوب حياة، وتتحول القوة إلى اعتراف صادق بالإنسانية، وبالتعب، وبالحاجة إلى التوقف. فالقوة الحقيقية ليست في الاحتمال الدائم، بل في الفهم، وفي اختيار ما يستحق البقاء وما يجب الرحيل عنه.
وفي النهاية، يظل كتاب «الذات» أكثر من مجرد صفحات تُقرأ، إنه مرآة صادقة نقف أمامها بلا أقنعة، فنرى حقيقتنا كما هي، لا كما أرادها الآخرون. هو إعلان هادئ لكنه حاسم بأن الإنسان ليس خزانًا لا ينضب، وأن القلب ليس ساحة مفتوحة لكل من أراد العبور والرحيل دون أثر أو حساب.
هذا الكتاب يعلّمنا أن حماية الذات ليست قسوة، بل عدل، وليست أنانية، بل رحمة عميقة بالنفس قبل أن تكون بالغير. يعلّمنا أن نطفئ حرائق الداخل قبل أن نُشعل شموع الطريق للآخرين، وأن نعيد الاعتبار لروحٍ أرهقها الصبر وطول الاحتمال.
«الذات» يضع القارئ أمام حقيقة لا مفر منها: من لا يحترم نفسه، سيُستباح، ومن لا يسمع صوته الداخلي، سيتوه في ضجيج العالم. وهنا تتجلى رسالة الكتاب الأقوى: كن حاضرًا لنفسك، واعيًا بحدودك، شجاعًا في قراراتك، فسلامك الداخلي أغلى من أي علاقة، وكرامتك أسمى من أي رضا زائف.
إنه كتاب يُغلق صفحاته، لكنه يفتح بابًا جديدًا للحياة… حياة أكثر وعيًا، أكثر اتزانًا، وأكثر صدقًا مع الذات، حيث لا تعود وردة ذابلة في أيدي الآخرين، بل جذرًا ثابتًا يعرف كيف يحمي نفسه، ويزهر في الوقت الصحيح.