اعترف انني توقفت طويلا امام خبر تعيين الفريق اشرف زاهر وزيرا للدفاع والانتاج الحربي، ليس لان المنصب جديد على المؤسسة العسكرية، ولكن لان الرجل يصل اليه من بوابة مختلفة، بوابة صناعة العقول قبل ادارة السلاح، فمن يتابع مسيرته يدرك انه لم يكن مجرد قائد عسكري تقليدي، بل مهندسا لمشروع تطوير فكري وتعليمي داخل القوات المسلحة، اعاد تعريف معنى اعداد الضابط في الجمهورية الجديدة.
في تقديري، اختيار قائد ارتبط اسمه بتحديث المناهج، وتوسيع افاق البحث العلمي، ودمج العلوم المدنية بالعلوم العسكرية، يعكس ادراكا عميقا بان معارك المستقبل لن تحسم بالقوة الخشنة وحدها، بل بالعقل القادر على استيعاب التكنولوجيا وتحويلها الى عنصر تفوق استراتيجي، ومن هنا ارى ان انتقاله من منصة الاكاديمية العسكرية الى وزارة الدفاع ليس مجرد ترقية وظيفية، بل امتداد طبيعي لرؤية بدأت من قاعات الدراسة وتصل اليوم الى غرفة صناعة القرار العسكري.
الفريق اشرف زاهر ادى اليمين الدستورية امام الرئيس عبدالفتاح السيسي وزيرا للدفاع والانتاج الحربي، بعد ان كان يشغل منصب مدير الاكاديمية العسكرية، وقد تمت ترقيته الى رتبة فريق في يناير 2023 بقرار من الرئيس، بعدما تولى سابقا منصب مدير الكلية الحربية، وكان من القيادات المسؤولة عن تطوير نظم التدريب والقبول بالكليات العسكرية.
لكن ما يلفت النظر في تجربته ليس فقط تنوع المناصب، بل طبيعة الرؤية التي حكمت اداءه، فمنذ توليه قيادة الاكاديمية العسكرية بمختلف روافدها من كليات حربية وبحرية وجوية ودفاع جوي، لم يتوقف عند حدود التدريب البدني والتكتيكي التقليدي، بل دفع نحو ما يمكن وصفه بثورة علمية داخل المؤسسة العسكرية، سعى الى تحديث المناهج، وتطوير شخصية المتدربين خلال فترة تدريب مكثفة تمتد لنحو ستة اشهر اقامة كاملة، بحيث يخرج الضابط الجديد وقد تشكل معرفيا وسلوكيا على اسس حديثة.
ارتبط اسمه بمفهوم التطوير النوعي، حيث تم دمج العلوم المدنية الحديثة بالمناهج العسكرية، ومنح الخريجين شهادات مزدوجة تجمع بين العلوم العسكرية وتخصصات حيوية مثل الاقتصاد والعلوم السياسية والهندسة ونظم المعلومات، هذه النقلة في تقديري لم تكن مجرد اضافة شكلية، بل تعبيرا عن فهم عميق لطبيعة الحروب الحديثة التي تعتمد على التكنولوجيا والادارة والتحليل بقدر اعتمادها على الشجاعة والانضباط.
يردد الفريق اشرف زاهر في مناسبات عدة ان امتلاك القوة هو الضمانة الوحيدة لفرض السلام، وهي عبارة تختصر فلسفته بوضوح. فالقوة في رؤيته ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لحماية الاستقرار وصون الدولة. ومن هنا ارى ان اختياره في هذه المرحلة الاقليمية الدقيقة يعكس توجها نحو تعميق مفهوم الجيش القادر على الردع، والمستند في الوقت ذاته الى عقل علمي منظم.
اليوم، وهو يحمل حقيبة الدفاع في ظل تحولات اقليمية معقدة وتطورات تكنولوجية متسارعة، تبدو المهمة اكبر من مجرد ادارة وزارة سيادية، انها مسؤولية استكمال مسار تحديث الجيش المصري، وترسيخ معادلة تجمع بين اصالة التقاليد العسكرية وحداثة التكنولوجيا الرقمية.
في تقديري، يمثل الفريق اشرف زاهر نموذجا لقائد يؤمن بان الامن القومي يبدأ من العلم ويحرس بالقوة، وان الدولة القوية لا تبني جيشا مسلحا فقط، بل تبني عقلا عسكريا قادرا على قراءة المستقبل وصناعته، وهذه ربما تكون الرسالة الاهم في اختياره لقيادة وزارة الدفاع في هذه المرحلة.