اختتمت اليوم فعاليات النسخة الافتتاحية من قمة ومعرض عالم الذكاء الاصطناعي «Ai Everything» الشرق الأوسط وإفريقيا – مصر 2026، بعد يومين من الزخم التقني والاستثماري الذي وضع القاهرة في قلب مشهد الذكاء الاصطناعي الإقليمي، وأكد أن التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة مساعدة، بل أصبحت محركًا رئيسيًا لإعادة هندسة القطاعات الاقتصادية.
الحدث، الذي أُقيم تحت مظلة GITEX GLOBAL واستضافته وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بالتعاون مع «إيتيدا»، جمع أكثر من 250 شركة ناشئة، إلى جانب شركات عالمية ومستثمرين وصناع سياسات، في منصة ناقشت البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وتطبيقاته المؤسسية، ومستقبل الاستثمار فيه.
رؤية استراتيجية لمستقبل قائم على الذكاء
هيمنت على القمة رسالة واضحة: الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا تقنيًا، بل أولوية استراتيجية واقتصادية.
وأكد المهندس رأفت هندي وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، أن استضافة الحدث تعكس التزام مصر ببناء منظومة تنافسية عالميًا، قادرة على جذب الاستثمارات وتنمية المواهب.
وقال: “نحن واثقون من أن قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات سيصبح أقوى خلال العام المقبل، وأن منظومة الذكاء الاصطناعي في مصر ستواصل النمو، ونتطلع إلى نسخة أكثر تأثيرًا في 2027”.
ومن المقرر أن تعود القمة في دورتها المقبلة يومي 1 و2 يونيو 2027، بتركيز أعمق على تبني المؤسسات للذكاء الاصطناعي وتوسّع الشركات الناشئة إقليميًا.
من الزراعة إلى الرعاية الصحية: الذكاء الاصطناعي على أرض الواقع
بعيدًا عن الطروحات النظرية، كشفت القمة عن تطبيقات عملية تؤكد أن الذكاء الاصطناعي بات حاضرًا في أدق تفاصيل الاقتصاد:
في الزراعة، عرضت Datalentech محرك القرار «Paula» القادر على توقع مؤشرات حيوية في تربية الدواجن بدقة تتجاوز 90% قبل أسابيع من حدوثها، ما يمنح المنتجين رؤية استباقية تعزز التخطيط وتقليل المخاطر.
في الرعاية الصحية، قدمت الشركة المصرية IRRI Vision نظامًا لفحص الشبكية بالذكاء الاصطناعي للكشف المبكر عن اعتلال الشبكية لدى الخدج، في خطوة تضع تقنيات التشخيص الذكي داخل غرف الفحص، وتمنح الأطباء أداة إنقاذ مبكرة للبصر.
إعادة هندسة خدمة العملاء والمبيعات
قطاعا المبيعات وخدمة العملاء شهدا حضورًا لافتًا، حيث استعرضت Amira AI منصة «MIRA» التي تستبدل الأنظمة التقليدية بنظام موحد قائم على الذكاء الاصطناعي، يدير التفاعلات ويدرّب الوكلاء عبر محاكاة ذكية.
المنصة، المعتمدة لدى أكثر من 150 مؤسسة عالمية بينها Audi وDP World وL’Oréal، تعكس انتقال الشركات إلى نموذج «الذكاء الاصطناعي أولاً»، بما يحقق مكاسب واضحة في رضا العملاء وكفاءة التكاليف.
كما قدمت الشركة البريطانية Emotii منصة تواصل “ذكي عاطفيًا”، تحلل الفروق العاطفية في المحادثات متعددة اللغات لحظيًا، لتنتقل الترجمة من نقل الكلمات إلى فهم المشاعر.
الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى
واحدة من أكثر الجلسات حضورًا كانت كلمة صانع المحتوى أحمد الغندور، الذي تناول عنوانًا محوريًا: تبسيط الذكاء الاصطناعي للعالم العربي.
وأكد أن التحدي الحقيقي ليس في تطوير التقنية، بل في شرحها بوضوح بعيدًا عن التهويل، قائلاً: “لم يعد الذكاء الاصطناعي تقنية ناشئة، بل قوة تعيد تشكيل الحكومات والأسواق. مسؤوليتنا هي التمكين لا التخويف”.
رسالة عكست تحول الذكاء الاصطناعي من معامل البحث وخطوط الإنتاج إلى منصات التعليم والإعلام وصناعة المعرفة.
البنوك والتكنولوجيا المالية: نموذج تشغيلي جديد
في قطاع الخدمات المالية، أجمع المتحدثون على أن الذكاء الاصطناعي تجاوز مرحلة “التحول الرقمي” ليؤسس نموذجًا تشغيليًا جديدًا قائمًا على التحليلات المتقدمة وصناعة القرار المدعومة بالبيانات.
وقال أحمد عبد العال، الرئيس التنفيذي لمجموعة المشرق: “لم يعد التفوق في امتلاك أقوى نظام، بل في سرعة التكيف ونشر الذكاء الاصطناعي بطريقة تولد قيمة حقيقية”.
من جانبه، أكد المهندس أحمد يحيى من «إي آند مصر» أن تبسيط الخدمات المالية عبر الذكاء الاصطناعي هو مفتاح الانتشار الجماهيري، بينما ناقش قادة OPay وMNT-Halan كيف أن الابتكار تحت قيود الأسواق الناشئة أصبح ميزة تنافسية تتفوق على نماذج وادي السيليكون.
الاستثمار: تمويل أكثر ذكاءً
من منظور رأس المال الجريء، أشار جيرالد كو، مدير الاستثمار في Gobi Partners (أصول مدارة 1.6 مليار دولار)، إلى تغير خريطة تمويل شركات الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على النماذج القابلة للتوسع ذات الإيرادات الواضحة، وهياكل التمويل متعددة العملات.
منصة إقليمية تنطلق من القاهرة
بمشاركة دولية واسعة وزخم استثماري ملحوظ، أثبتت النسخة الأولى من «Ai Everything» أن القاهرة قادرة على أن تكون مركزًا إقليميًا للحوار حول الذكاء الاصطناعي، ليس فقط من حيث الرؤية، بل من حيث التطبيق والتنفيذ والشراكات العابرة للحدود.
من خطوط الإنتاج الزراعي، إلى غرف العمليات الطبية، إلى منصات البنوك وصناعة المحتوى, الرسالة التي خرجت بها القمة واضحة: الذكاء الاصطناعي لم يعد مستقبلًا قادمًا، بل واقعًا يعيد تشكيل الاقتصاد الآن.