خلال محاضراتي في احد المراكز البحثية المتخصصة في الإعلام والرأي العام، أكدت أن الإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح ساحة معركة حقيقية تتنافس فيها الأطراف على كسب التأييد الدولي وتوجيه الرأي العام، وفي الصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، تلعب الحرب الإعلامية دورا محوريا، إذ يسعى كل طرف لفرض روايته الخاصة وتبرير مواقفه السياسية والعسكرية، مما يجعل تحليل التغطية الإعلامية ضروريا لفهم طبيعة الصراع وابعاده الحقيقية.
وتشهد الساحة الدولية تصعيدا سياسيا وعسكريا متزايدا، وهو صراع لا يقتصر على المجال العسكري فقط بل يمتد إلى الإعلام، حيث تسعى كل جهة إلى فرض سرديتها الخاصة وتبرير مواقفها، ففي الإعلام الغربي، مثل CNN وBBC، يتم تقديم الحرب غالبا في إطار أمني استراتيجي يركز على التهديد الذي يمثله البرنامج النووي الإيراني، ويعتمد على تصريحات المسؤولين العسكريين والتقارير الاستخباراتية.
في المقابل، تقدم وسائل الإعلام الإيرانية رواية مختلفة، حيث يتم تصوير العمليات العسكرية كعدوان خارجي يستهدف السيادة الإيرانية، مع التركيز على الخسائر البشرية والأضرار لتعزيز التعاطف الدولي، وتوظيف خطاب المقاومة لتعبئة الرأي العام الداخلي، أما الإعلام العربي، فيتسم بالتباين بين تحليل موازين القوى العسكرية واحتمالات توسع الحرب، وبين التركيز على التداعيات الاقتصادية وأسعار النفط وحركة التجارة العالمية.
أما الإعلام المصري، فيعكس مواقف السياسة الخارجية لمصر ويوازن بين التحليلات الاستراتيجية والمصالح الإقليمية، بعض القنوات تركز على متابعة التطورات العسكرية وتحليل موازين القوى، مع تسليط الضوء على احتمالات تأثير الصراع على الاستقرار الإقليمي والأمن القومي العربي، بينما تركز وسائل إعلام أخرى على التداعيات الاقتصادية وأمن الطاقة، كما يحاول الإعلام المصري تقديم رؤية متوازنة بين الأطراف المتصارعة، مع التأكيد على أهمية الحلول الدبلوماسية وضرورة الحد من التصعيد العسكري، مما يعكس سعيه للعب دور وساطة إعلامية ونقل الصورة للرأي العام المحلي والدولي بأسلوب مهني ومتوازن.
برز أيضا دور الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي مثل X وFacebook وTelegram في نقل الأخبار والصور والفيديوهات من مناطق النزاع، مما ساهم في تسريع تداول المعلومات وزيادة انتشار المعلومات المضللة والدعاية الحربية، ما جعل التحقق من صحة الأخبار تحديا كبيرا أمام الجمهور.
وتستغل بعض التقارير الإعلامية هذا السياق لأهداف سياسية، فالبعض يركز على القدرات العسكرية والتكنولوجية للولايات المتحدة وإسرائيل لإظهار التفوق العسكري وردع الخصم، بينما يسلط آخر الضوء على الجوانب الإنسانية مثل الخسائر المدنية والدمار لتعزيز التعاطف الدولي، كما تلعب التغطية السياسية والدبلوماسية دورا في متابعة ردود الفعل الدولية ومحاولات الوساطة، مؤثرة في الضغوط الدولية على الأطراف المتحاربة للتوصل إلى هدنة.
يمكن القول إن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تمثل نموذجا واضحا للحروب المعاصرة التي تتداخل فيها الجبهات العسكرية والإعلامية، فالمعركة لم تعد تدار فقط بالصواريخ والطائرات بل بالخطاب الإعلامي والصورة والرسالة السياسية.
وفي النهاية، لن يتحدد مستقبل هذا الصراع فقط بنتائج المواجهة العسكرية، بل بقدرة كل طرف على كسب معركة الرأي العام الدولي، إذ أصبحت وسائل الإعلام أداة استراتيجية في إدارة الأزمات الدولية وتشكيل التصورات العالمية حول شرعية الحرب وأهدافها ونتائجها.