حسين السمنودي
في أجواء رمضانية مفعمة بالروحانية والجمال، شهد قصر ثقافة الصالحية الجديدة انطلاق أولى الليالي الثقافية والفنية لشهر رمضان المبارك، في أمسية امتزج فيها عبق الفن الأصيل بروح الشهر الكريم، لتتحول القاعة إلى مساحة من النور والجمال اجتمع فيها أبناء المدينة حول الكلمة الطيبة والإنشاد الديني الذي يعانق القلوب قبل الآذان.
جاءت هذه الليلة الثقافية المميزة بحضور الكاتب الكبير أحمد سامي خاطر وكيل وزارة الثقافة، الذي كان في مقدمة الحضور، إلى جانب النائب جلال القادري عضو مجلس الشيوخ، وعدد من القيادات الثقافية والتنفيذية والشخصيات العامة وأبناء مدينة الصالحية الجديدة الذين حرصوا على المشاركة في هذه الأمسية الرمضانية التي تعكس الدور الحقيقي للثقافة في بناء الوعي وصناعة الجمال في المجتمع.
وكانت البداية مع عرض متميز لفرقة الشرقية للإنشاد الديني، التي قدمت مجموعة من الابتهالات والمدائح النبوية التي لامست وجدان الحاضرين، فارتفعت الأصوات بالصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ، وترددت كلمات الحب في حضرة النبي الكريم، في لحظات روحانية أعادت إلى الأذهان جمال التراث الإنشادي المصري الذي ظل عبر العقود أحد أهم ملامح الفن الروحي في مصر.
وقد أبدعت الفرقة في تقديم فقراتها التي تنوعت بين الابتهالات والمدائح النبوية والقصائد الدينية التي تتغنى بحب الله ورسوله، فانسابت الألحان في القاعة بهدوء يشبه سكينة رمضان، بينما تفاعل الحضور مع الكلمات التي تحمل معاني الإيمان والصفاء، وكأن تلك اللحظات تعيد للروح شيئًا من طمأنينتها التي افتقدتها وسط صخب الحياة اليومية.
ومن جانبها، لعبت إدارة قصر ثقافة الصالحية الجديدة دورًا مهمًا في تنظيم هذه الليلة الرمضانية المبهجة، تحت إشراف الأستاذة سعاد سمير مدير قصر ثقافة الصالحية الجديدة، التي حرصت مع فريق العمل على أن تخرج الفعالية في صورة تليق بجمهور الثقافة والفن، وتؤكد أن قصور الثقافة ما زالت تقوم بدورها الحقيقي كمنارات للفكر والإبداع، وكمساحات يلتقي فيها الناس حول الفن الراقي والتراث الجميل.
وتأتي هذه الفعاليات ضمن خطة وزارة الثقافة والهيئة العامة لقصور الثقافة لإحياء ليالي رمضان بالأنشطة الثقافية والفنية التي تجمع الأسرة المصرية حول الفن الهادف، وتعيد للثقافة مكانتها كقوة ناعمة قادرة على نشر الوعي وبناء الإنسان، خاصة في هذا الشهر الكريم الذي تتجدد فيه القيم وتصفو فيه القلوب.
ولم تكن هذه الليلة مجرد عرض فني عابر، بل كانت رسالة ثقافية وإنسانية تؤكد أن الفن حين يلتقي مع روح رمضان يصبح أكثر تأثيرًا في النفوس، وأن الثقافة حين تقترب من الناس تتحول إلى جسر من المحبة يجمع بينهم ويعيد إليهم الإحساس بجمال الحياة.
ففي تلك الأمسية أدرك الحاضرون أن ليالي رمضان ليست فقط للصيام والعبادة، بل هي أيضًا فرصة لإحياء التراث الجميل الذي يربطنا بجذورنا ويعيد إلينا ملامح هويتنا المصرية الأصيلة. وحين يرتفع صوت الإنشاد الديني في ليلة من ليالي رمضان، تشعر القلوب بصفاء خاص، وكأن الزمن يعود بنا إلى لحظات كان فيها الفن رسالة سامية تهذب الروح وتغذي الوجدان.
لقد قدمت هذه الليلة نموذجًا حيًا لما يجب أن تكون عليه ليالي رمضان الثقافية؛ لقاء يجمع الناس حول الجمال والروحانية، وحول الكلمة الطيبة والفن النقي الذي يفتح أبواب الأمل ويضيء العقول. كما أكدت أن قصور الثقافة ليست مجرد أماكن لإقامة العروض، بل هي منارات تنشر الوعي وتحتضن الإبداع وتحافظ على التراث الذي يشكل وجدان المصريين.
ومع انطلاق أولى الليالي الرمضانية في قصر ثقافة الصالحية الجديدة، يبقى الأمل كبيرًا في أن تستمر هذه الفعاليات لتظل الثقافة حاضرة في حياة الناس، ولتبقى ليالي رمضان عامرة بالذكر والفن والجمال، ولتظل مصر دائمًا أرض الحضارة التي تعرف كيف تمزج بين الإيمان والجمال، وبين التراث والوعي، وبين الفن والإنسان. ففي مثل هذه الليالي ندرك أن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة، وأن الفن حين يكون صادقًا يتحول إلى رسالة خالدة، وحين يخرج من القلب يصل إلى القلوب، لتبقى ليالي رمضان في مصر دائمًا لحظات نور تتجدد فيها الروح وتكتب فيها حكايات الجمال التي لا ينساها الزمن.