عبدالرحيم عبدالباري
في منظومة صحية تسعى إلى ترسيخ معايير الجودة والانضباط، لم يعد العمل الإداري يقتصر على الاجتماعات أو التقارير المكتبية، بل أصبح الميدان هو المعيار الحقيقي لتقييم الأداء. ومن هذا المنطلق جاءت الجولة التفقدية المفاجئة التي أجراها عمرو قنديل نائب وزير الصحة والسكان داخل مستشفى السلام التخصصي ومركز طب أسرة «أهالينا»، لتؤكد أن المتابعة المباشرة والرقابة الميدانية أصبحتا ركيزتين أساسيتين في تطوير المنظومة الصحية، وذلك تنفيذًا لتوجيهات خالد عبدالغفار وزير الصحة والسكان بتكثيف المرور على المنشآت الصحية لضمان تقديم خدمات علاجية آمنة وعالية الجودة للمواطنين.

تعكس هذه الزيارة المفاجئة نهجًا إداريًا حديثًا يقوم على الحضور المباشر للقيادات الصحية داخل المؤسسات الطبية، حيث يتم تقييم الأداء على أرض الواقع وليس عبر الأرقام والتقارير فقط. فالمستشفيات والمراكز الطبية هي ساحات العمل الحقيقية التي تظهر فيها جودة الخدمة أو أوجه القصور، ولذلك تأتي الجولات الميدانية لتعيد ضبط إيقاع العمل وتؤكد أن صحة المواطن تظل في صدارة الأولويات. كما تمنح هذه الزيارات العاملين دافعًا أكبر للالتزام والانضباط، لأنها تعكس اهتمام القيادة بمتابعة التفاصيل الدقيقة التي تصنع الفارق في حياة المرضى.
استهل نائب الوزير جولته بتفقد قسم الاستقبال والطوارئ بمستشفى السلام التخصصي، وهو القسم الذي يمثل خط الدفاع الأول في التعامل مع الحالات الحرجة والطارئة. وخلال جولته حرص على متابعة سير العمل بدقة، والتأكد من توافر الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية لضمان سرعة الاستجابة للحالات. كما استمع إلى آراء المرضى ومرافقيهم حول مستوى الخدمة المقدمة، مؤكدًا أن تجربة المريض داخل المستشفى تعد مؤشرًا مهمًا لتقييم الأداء. ووجه بسرعة إنهاء الإجراءات الطبية اللازمة سواء بالحجز الداخلي أو التحويل إلى المستشفيات المتخصصة وفقًا للحالة الصحية لكل مريض.
كما امتدت الجولة إلى أقسام الرعاية المركزة ورعاية الجراحات، حيث شدد نائب الوزير على أهمية الالتزام الصارم بسياسات مكافحة العدوى وترشيد استخدام المضادات الحيوية، لما لذلك من دور حاسم في الحفاظ على سلامة المرضى وتحسين نتائج العلاج. وخلال تفقده للأقسام المختلفة، أكد أن التميز المهني يجب أن يقابله تقدير حقيقي، وهو ما تجسد في قراره بصرف مكافأة مالية لاستشاري الرعاية المركزة تقديرًا لجهوده في متابعة الحالات، بينما وجه بمجازاة مشرف التمريض بالقسم نتيجة وجود قصور في الأداء، في رسالة واضحة بأن الالتزام معيار أساسي في العمل داخل القطاع الصحي.
وشملت الجولة أيضًا أقسام الأشعة والمعامل والحضانات، حيث اطمأن نائب الوزير على توافر الكيماويات والمستلزمات اللازمة لإجراء الفحوصات الطبية بكفاءة. كما وجه بمتابعة دورية لمؤشرات الأداء في قسم الحضانات، نظرًا لحساسية الحالات التي يتعامل معها القسم، والتي تتطلب أعلى مستويات الرعاية الطبية. وخلال لقائه بعدد من مرضى الغسيل الكلوي، استمع إلى مطالبهم واحتياجاتهم، موجهاً بسرعة تلبيتها، مع إعادة توزيع القوى البشرية وزيادة أعداد التمريض بالقسم لضمان استمرارية تقديم الخدمة الطبية بكفاءة عالية.
وفي مركز طب أسرة «أهالينا»، حملت الجولة رسالة حاسمة بشأن الانضباط الوظيفي، حيث رصد نائب الوزير غياب الطبيب المناوب عن مقر عمله، فقرر إحالته للتحقيق الفوري، تأكيدًا على أن الالتزام المهني مسؤولية لا يمكن التهاون فيها. كما تبين تعطل جهاز قياس السكر بقسم الطوارئ، فوجه بسرعة صيانته وتوفير الأجهزة اللازمة لضمان الجاهزية الكاملة للتعامل مع الحالات الطارئة. ولم تتوقف الإجراءات عند ذلك، بل تم إحالة إدارة منطقة السلام أول الطبية للتحقيق بسبب ضعف الرقابة وعدم متابعة تواجد الفرق الطبية وجاهزية مستلزمات الطوارئ.
تكشف هذه الجولة عن فلسفة واضحة في إدارة المنظومة الصحية، تقوم على المتابعة المستمرة والمحاسبة العادلة وتشجيع المتميزين في الوقت ذاته. فوجود القيادات الصحية داخل المستشفيات يرسخ ثقافة العمل الجاد والانضباط المهني، كما يعزز ثقة المواطنين في الخدمات الصحية المقدمة لهم. ومع استمرار هذه الجولات الميدانية المفاجئة في مختلف المحافظات، تتعزز قدرة النظام الصحي على التطوير المستمر وتحسين جودة الرعاية الطبية بما يتوافق مع المعايير الحديثة.
إن الجولات الميدانية التي يقودها نائب وزير الصحة ليست مجرد زيارات تفقدية عابرة، بل تمثل خطوة حقيقية نحو ترسيخ ثقافة الجودة والمساءلة داخل المؤسسات الصحية. فحين تتحرك القيادة في الميدان وتتابع التفاصيل بنفسها، يصبح الإصلاح أكثر واقعية وتأثيرًا. وهكذا تتواصل جهود الدولة لضمان أن يحصل كل مواطن على حقه في الرعاية الصحية الكريمة، في منظومة طبية تسعى دائمًا إلى التطوير وتضع الإنسان في قلب أولوياتها.