حسين السمنودي
في عالمٍ تتزاحم فيه الأصوات وتضيع فيه النغمات الصادقة وسط ضجيج الحياة، يخرج من بين الزحام صوتٌ مختلف… صوت لا يُسمع فقط، بل يُحَسّ ويُعاش… صوت عازف البيانو كريم جوهر، الذي لا يعزف الموسيقى بقدر ما يترجم مشاعر الإنسان إلى أنغام تنبض بالحياة.
ليس كل من جلس أمام البيانو أصبح عازفًا، فالموسيقى ليست مفاتيح تُضغط، بل روح تُسكب في صمتٍ مهيب. وهنا تحديدًا تتجلى موهبة كريم جوهر، الذي استطاع أن يحوّل آلة البيانو من مجرد أداة موسيقية إلى لغة خاصة، يتحدث بها مع القلوب دون وسيط، ويخاطب بها الوجدان دون ترجمة.
منذ اللحظة الأولى التي تلامس فيها أنامله المفاتيح، تشعر وكأنك أمام حكاية تُروى، لا مجرد لحن يُعزف. فكل نغمة عنده تحمل قصة، وكل انتقال بين المقامات يختزل رحلة من الإحساس الصادق. إنه ذلك النوع من العازفين الذين لا يبحثون عن التصفيق بقدر ما يسعون إلى ترك أثرٍ لا يُنسى في النفس.
كريم جوهر لا يقدم موسيقى عابرة، بل يصنع حالة… حالة من السكون الممزوج بالتأمل، من الشجن الذي يلامس أعمق ما في الإنسان، ومن الأمل الذي يولد من بين ثنايا الحزن. وكأن عزفه يقول لنا: إن الموسيقى ليست ترفًا، بل ضرورة… ضرورة للروح التي أثقلتها الحياة.
ولعل ما يميّز هذا الفنان أنه لا ينفصل عن واقعه، بل يحمل في نغماته ملامح البيئة التي نشأ فيها، وأصوات الشوارع التي عبرها، وأحلام جيله الذي يبحث عن مساحة ضوء وسط العتمة. لذلك تجد عزفه صادقًا… قريبًا… وكأنه قطعة منك، أو ذكرى قديمة استيقظت فجأة على وقع نغمة.
إن الحديث عن كريم جوهر هو حديث عن الإبداع حين يكون نقيًا، وعن الفن حين يتحرر من القوالب الجاهزة، وعن الإنسان حين يجد في الموسيقى ملاذًا من قسوة العالم. فهو نموذج لجيل جديد يؤمن أن الفن رسالة، وأن الجمال يمكن أن يكون مقاومة هادئة لكل ما هو قبيح.
وفي زمنٍ أصبح فيه كل شيء سريعًا ومؤقتًا، يأتي عزف كريم جوهر ليذكّرنا بأن هناك أشياء لا تُختصر… أشياء تحتاج أن نمنحها الوقت لنشعر بها، وأن نصمت قليلًا لنسمعها… وأن نُغلق أعيننا لنراها.
وفي النهاية، حين تخفت الأضواء ويغادر الجميع، يبقى الأثر… ذلك الأثر العميق الذي لا تصنعه إلا الأرواح الصادقة. يبقى صدى النغم معلقًا في فضاء الذاكرة، وكأن كل مقطوعة عزفها كريم جوهر لم تكن مجرد لحظة عابرة، بل كانت وعدًا بالجمال في زمنٍ شحيح الإحساس.
إننا لا نحتاج إلى كثيرٍ من الضجيج لنثبت أن الفن ما زال حيًا، بل نحتاج إلى نماذج تُشبه هذا الفنان، تُعيد تعريف الموسيقى كرسالة، وتُعيد للروح إنسانيتها التي كادت أن تُسلب وسط زحام الأيام. فالفن الحقيقي لا يُقاس بعدد الحفلات ولا بضجيج الشهرة، بل بقدرته على ملامسة القلب، وعلى إيقاظ ما بداخلنا من مشاعر كانت تنتظر من يحررها.
وكأن عزفه يهمس لنا بأن الحياة، رغم قسوتها، ما زالت تحمل بين طياتها مساحات من النور، وأن الجمال ليس رفاهية، بل هو طوق النجاة لكل من أنهكته التفاصيل. ومع كل نغمة، يثبت أن الإنسان قادر على أن يحوّل الألم إلى لحن، والضياع إلى معنى، والصمت إلى لغةٍ أبلغ من الكلمات.
سيبقى كريم جوهر علامةً مضيئة في سماء الفن، ليس لأنه يعزف فقط، بل لأنه يشعر… ويجعلنا نشعر معه. سيبقى اسمًا يُكتب بنبض القلوب قبل الحروف، وتجربةً تُروى لا بالألسن، بل بالوجدان.
وهنا، فقط، ندرك أن بعض العازفين لا يمرّون في حياتنا مرورًا عابرًا… بل يتركون فينا شيئًا لا يمكن أن يُمحى، وكأنهم يعزفون داخلنا نحن… لا أمامنا.