عبدالرحيم عبدالباري
في خطوة تعكس يقظة الدولة المصرية وإدراكها العميق لأهمية الصحة النفسية كركيزة أساسية في بناء الإنسان، أعلنت وزارة الصحة والسكان عن تكثيف حملاتها الرقابية على منشآت الصحة النفسية، في تحرك حاسم يستهدف ضبط المنظومة والقضاء على أي ممارسات تهدد سلامة المرضى أو تنتقص من حقوقهم. لم يعد الأمر مجرد متابعة إدارية، بل أصبح معركة حقيقية لحماية الإنسان، وصون كرامته، وضمان تلقيه خدمة علاجية آمنة تليق به.
كشفت وزارة الصحة والسكان عن غلق 57 منشأة غير مرخصة خلال شهر فبراير 2026 بعدد من المحافظات، في إطار خطة موسعة لإعادة الانضباط إلى قطاع الصحة النفسية. ويأتي هذا الإجراء ضمن سلسلة من الخطوات الحاسمة التي تتبناها الدولة لمواجهة الفوضى التي قد تنشأ عن عمل كيانات غير مؤهلة، بما يهدد حياة المرضى ويعرضهم لممارسات غير إنسانية أو علاجية غير سليمة، وهو ما يعكس جدية الوزارة في التصدي لأي تجاوزات.
ولم تقتصر جهود الوزارة على الغلق فقط، بل امتدت لتشمل تنفيذ 64 حملة تفتيش دوري، إلى جانب ترخيص منشأتين جديدتين وفقًا للاشتراطات والمعايير المعتمدة. ويؤكد هذا التوازن بين الإغلاق والتقنين أن الدولة لا تستهدف التضييق، بل تسعى إلى تنظيم القطاع وفتح المجال أمام الكيانات الملتزمة، بما يضمن تقديم خدمات علاجية قائمة على أسس علمية وإنسانية سليمة.
وفي سياق متصل، أوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن فرق التفتيش رصدت 37 منشأة مخالفة، بالإضافة إلى تنفيذ جولات مشتركة على 14 منشأة بالتعاون مع الجهات المعنية. ويعكس هذا التنسيق المؤسسي مستوى عالٍ من التكامل بين الأجهزة الرقابية، ويؤكد أن الرقابة لم تعد مسؤولية جهة واحدة، بل منظومة متكاملة تعمل لحماية المريض من أي استغلال أو انتهاك.
وامتدت الجهود إلى الجانب الإنساني والقانوني، حيث تم تقييم 2899 مريضًا لضمان حصولهم على حقوقهم، واتخاذ قرارات الدخول الإلزامي وفقًا للقانون. كما تم البت في 325 قضية حجر، وفحص 52 متهمًا لتحديد مدى مسؤوليتهم الجنائية. هذه الأرقام تعكس حجم العمل الدقيق الذي تقوم به الوزارة، والذي لا يقتصر على الرقابة فقط، بل يشمل ضمان العدالة والرعاية المتكاملة للمرضى.
كما أولت الوزارة اهتمامًا خاصًا بالمرضى المودعين بأحكام قضائية، حيث عقدت اللجان المختصة 4 اجتماعات أسبوعية لمناظرة 80 مريضًا، بهدف تقييم حالتهم ومدى إمكانية خروجهم أو استمرار علاجهم. ويؤكد هذا النهج أن الدولة تتعامل مع هؤلاء المرضى بمنظور إنساني وقانوني متوازن، يراعي حقوقهم ويضمن في الوقت ذاته سلامة المجتمع.
ولم تغفل الوزارة صوت المواطن، حيث تم بحث 68 شكوى واردة والتعامل مع 24 شكوى من منظومة الشكاوى الحكومية، في مؤشر واضح على أن الرقابة لا تكتمل دون الاستماع للمواطنين. فالشكاوى تمثل أداة حيوية لرصد أوجه القصور، وتصحيح المسار، وضمان استمرار تحسين جودة الخدمات المقدمة في هذا القطاع الحساس.
إن ما تشهده منظومة الصحة النفسية في مصر اليوم يعكس تحولًا حقيقيًا نحو بناء نظام صحي أكثر عدالة وإنسانية وانضباطًا، حيث تتكامل الرقابة مع التطوير، ويقترن الحزم بالرعاية. وبين غلق المخالفين ودعم الملتزمين، تتجسد رسالة واضحة مفادها أن كرامة المريض خط أحمر، وأن الدولة ماضية في حماية هذا الحق بكل قوة، لتبقى الصحة النفسية عنوانًا للأمان، لا مجالًا للفوضى أو الاستغلال.