عبدالرحيم عبدالباري
في مشهد إنساني يفيض بالأمل والعزيمة، احتفلت مستشفى صدر العباسية باليوم العالمي للدرن، لتؤكد أن المعركة ضد هذا المرض لم تعد مجرد مواجهة طبية، بل أصبحت قصة نجاح وطنية تُكتب بإرادة الأطباء ودعم الدولة وإصرار المرضى على الحياة. جاء الاحتفال تحت رعاية الأستاذ الدكتور خالد عبدالغفار وزير الصحة والسكان، وبحضور نخبة من كبار القيادات الصحية، ليعكس حجم الاهتمام الذي توليه الدولة المصرية للقضاء على الدرن، وتحقيق رؤية صحية متكاملة تنقذ الأرواح وتعيد رسم ملامح المستقبل الصحي في مصر.

لم يكن الاحتفال مجرد مناسبة رسمية، بل كان تجسيدًا حيًا لرحلة طويلة من الكفاح داخل أروقة مستشفى صدر العباسية، تلك المؤسسة التي حملت على عاتقها لعقود مسؤولية مواجهة الأمراض الصدرية. بقيادة الدكتور محمد عبد، مدير المستشفى، تحولت الفعالية إلى منصة لعرض الإنجازات واستعراض قصص النجاح التي وُلدت من رحم المعاناة. فهنا، لا تُقاس النجاحات بعدد الحالات التي تم علاجها فقط، بل بعدد الأرواح التي استعادت حقها في الحياة، وعدد الابتسامات التي عادت لوجوه المرضى بعد رحلة شفاء شاقة.

حضور الأستاذ الدكتور محمد عوض تاج الدين، مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الصحية، أضفى على الاحتفال بعدًا تاريخيًا وإنسانيًا عميقًا، حيث استعاد ذكرياته داخل جدران المستشفى التي كانت امتدادًا لمسيرته العلمية منذ أيام جامعة عين شمس. حديثه لم يكن مجرد كلمات بروتوكولية، بل شهادة حية على تطور مستشفيات الصدر في مصر، مؤكدًا أن ما تحقق من تطور في الإمكانيات والكفاءات البشرية يعكس حجم الجهد المبذول، ويبرهن على أن هذه المؤسسات أصبحت قلاعًا طبية قادرة على مواجهة أخطر التحديات الصحية.

ومن جانبه، أكد الدكتور تامر مدكور، رئيس قطاع الصحة بالقاهرة، أن الأمراض الصدرية لا تعرف موسمية أو توقيتًا محددًا، فهي حاضرة على مدار العام، مما يفرض حالة من الاستعداد الدائم داخل المستشفيات. وأشار إلى أن مستشفى صدر العباسية لم تغلق أبوابها يومًا أمام المرضى، حتى في أصعب الظروف، خاصة خلال جائحة كورونا. كما لفت إلى وجود 11 مركزًا للصدر في القاهرة تعمل بأحدث الأجهزة، ما يعكس بنية تحتية قوية قادرة على تقديم خدمات صحية متطورة وشاملة.

أما الدكتور وجدي أمين، مدير الإدارة العامة لأمراض الصدر والدرن بوزارة الصحة والسكان، فقد ألقى الضوء على البعد العلمي والتاريخي للمرض، مشيرًا إلى أن اكتشاف الدرن يعود إلى العصور الفرعونية، حيث وُجدت آثاره في إحدى المومياوات. واستعرض التطور الكبير في طرق العلاج، حيث تقلصت مدة العلاج من 18 شهرًا إلى 6 أشهر فقط بفضل الأبحاث الحديثة، مؤكدًا أن مصر تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق هدفها بالقضاء على الدرن بحلول عام 2030، ضمن خطة طموحة مدعومة من القيادة السياسية.
وفي إطار التكامل بين قطاعات الوزارة، أوضح الدكتور محمد عيد، وكيل الطب العلاجي بمديرية الشؤون الصحية بالقاهرة، أن هناك تنسيقًا مستمرًا بين الطب العلاجي والوقائي، لضمان تقديم خدمة صحية متكاملة لمرضى الدرن. وأكد أن مستشفى صدر العباسية تُعد نموذجًا ناجحًا لهذا التكامل، حيث يتم تقديم خدمات التشخيص والعلاج والمتابعة في منظومة واحدة، مما يسهم في تحسين معدلات الشفاء وتقليل نسب الانتكاس، ويعكس كفاءة المنظومة الصحية في التعامل مع المرض.
كما أشارت الدكتورة إيمان هارون، وكيل الطب الوقائي بمديرية الشؤون الصحية بالقاهرة، إلى أهمية الدور الوقائي في الحد من انتشار المرض، من خلال التوعية المجتمعية والكشف المبكر. وأكدت أن الوقاية تمثل خط الدفاع الأول، وأن الجهود المبذولة في هذا الإطار ساهمت بشكل كبير في تقليل معدلات الإصابة، خاصة مع توفير الخدمات الطبية بالمجان، وهو ما يعزز من ثقة المواطنين في المنظومة الصحية ويشجعهم على طلب العلاج دون تردد.
وتحمل مستشفى صدر العباسية بين جدرانها تاريخًا عريقًا، حيث تم إنشاؤها عام 1936 وافتتاحها عام 1938، لتكون واحدة من أقدم وأهم المؤسسات المتخصصة في علاج الأمراض الصدرية. وتضم المستشفى أقسامًا متخصصة لعلاج الدرن، تشمل 34 سريرًا للرجال، و64 سريرًا للرجال والنساء، بالإضافة إلى 13 سريرًا للرعاية المركزة، ما يعكس جاهزيتها لاستقبال الحالات المختلفة وتقديم الرعاية اللازمة بأعلى مستوى من الكفاءة.

واضاف الدكتور محمد عيد مدير مستشفى الامراض الصدريه بالعباسيه، ان ما لا تُظهره الأرقام والإحصائيات، هو تلك الحكايات الإنسانية التي تُروى يوميًا داخل المستشفى؛ حكايات مرضى بدأوا رحلتهم بالخوف والألم، وانتهوا بالأمل والشفاء. هنا، تتحول رحلة العلاج إلى قصة إنسانية متكاملة، يشارك فيها الأطباء والتمريض والمرضى، في مشهد يعكس أسمى معاني الرحمة والتفاني. فكل مريض يخرج من المستشفى متعافيًا، هو شهادة نجاح جديدة تُضاف إلى سجل هذا الصرح الطبي العريق.
إن الاحتفال باليوم العالمي للدرن داخل مستشفى صدر العباسية لم يكن مجرد حدث عابر، بل رسالة قوية تؤكد أن مصر تسير بثبات نحو مستقبل خالٍ من هذا المرض. وبين دعم القيادة السياسية، وجهود وزارة الصحة، وتفاني الفرق الطبية، تتشكل منظومة متكاملة قادرة على تحقيق هذا الهدف. وهنا، تظل مستشفى صدر العباسية شاهدًا حيًا على أن الأمل يمكن أن يُولد من الألم، وأن الحياة دائمًا تنتصر حين تتكاتف الجهود من أجل الإنسان.