عبدالرحيم عبدالباري
في ظل التحديات المتزايدة التي تفرضها الاضطرابات النفسية ومخاطر الإدمان على المجتمعات، تمضي الدولة المصرية بخطى ثابتة نحو بناء منظومة متكاملة ترتكز على الجودة والابتكار والاستدامة. وخلال الربع الأول من عام 2026، كشفت وزارة الصحة والسكان عن حصاد نوعي يعكس حجم التطوير الذي تشهده خدمات الصحة النفسية وعلاج الإدمان، في إطار رؤية شاملة تستهدف تقديم رعاية متخصصة وآمنة للمواطنين في مختلف المحافظات، مع تعزيز مفاهيم الوقاية والتأهيل المجتمعي.
أعلنت وزارة الصحة والسكان، عبر الإدارة المركزية للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، تحقيق سلسلة من الإنجازات التي تؤكد التحول النوعي في مستوى الخدمات المقدمة، حيث لم تعد الرعاية النفسية مقتصرة على العلاج فقط، بل امتدت لتشمل منظومة متكاملة تجمع بين الوقاية والتشخيص المبكر والتأهيل. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا لأهمية الصحة النفسية كأحد ركائز الأمن الصحي والاجتماعي، خاصة في ظل التحديات العالمية المرتبطة باضطرابات الإدمان وتأثيراتها الممتدة على الفرد والأسرة والمجتمع.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي للوزارة، تنفيذ زيارات تفتيشية مفاجئة لعدد 12 مستشفى من أصل 18 مستشفى تابعة للأمانة، بنسبة تغطية بلغت 66%، في خطوة تستهدف تعزيز الرقابة وضمان الالتزام بأعلى معايير الجودة. كما أشار إلى تصميم وتطبيق نظام إلكتروني مركزي موحد لملفات المرضى، بما يسهم في تحسين كفاءة المتابعة الطبية وتيسير تداول المعلومات بين المنشآت الصحية، وهو ما يمثل نقلة نوعية نحو التحول الرقمي والحوكمة الرشيدة في إدارة الخدمات
ولم تقتصر الإنجازات على المستوى المحلي، بل امتدت إلى الحضور الدولي الفاعل، حيث تم تفعيل النظام التقني للمرصد الوطني للإدمان والمخدرات بكامل طاقته، إلى جانب إطلاق موقع إلكتروني متخصص يتيح البيانات والمعلومات الدقيقة. كما استقبلت مصر وفودًا من جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي للاطلاع على التجربة المصرية، تمهيدًا لإنشاء مرصد إقليمي، فضلًا عن المشاركة في أعمال الدورة 39 للجنة المخدرات في فيينا، حيث حظيت التجربة المصرية في العلاج ببدائل الأفيونات بإشادة واسعة باعتبارها نموذجًا عالميًا متقدمًا.
وفي إطار تطوير الخدمات العلاجية، أوضح عبدالغفار أن الأمانة العامة تواصل دراسة إدخال العلاجات طويلة المفعول، بما يسهم في تحسين نتائج التعافي وتقليل معدلات الانتكاس، مشيرًا إلى ضم 67 مريضًا ضمن برامج العلاج الحديثة. كما تم تنفيذ حملة «عيد من غيرها» للعام الثامن على التوالي، والتي تستهدف دعم المتعافين نفسيًا واجتماعيًا خلال فترات الأعياد، في تأكيد واضح على أن التعافي لا يقتصر على الجانب الطبي، بل يشمل أيضًا إعادة دمج الأفراد داخل المجتمع بشكل إيجابي ومستدام.
وفي جانب الوقاية والكشف المبكر، كثّفت الوزارة جهودها من خلال حملات موسعة استهدفت فحص 9,532 سائقًا، إلى جانب إجراء الكشف الدوري على 18,202 موظف بالجهاز الإداري للدولة، بهدف ضمان بيئة عمل آمنة وخالية من التعاطي. كما لعب الخط الساخن للأمانة دورًا محوريًا، حيث استقبل 8,808 مكالمات تضمنت استشارات نفسية وحالات طوارئ، إلى جانب تنفيذ آلاف الزيارات المنزلية التي تعكس توجهًا إنسانيًا نحو تقديم الرعاية داخل المجتمع وضمان استمرارية المتابعة للمرضى.
ومن جانبه، أكد الدكتور أيمن عباس، رئيس الإدارة المركزية للصحة النفسية وعلاج الإدمان، التزام مستشفيات الأمانة بتقديم خدمات متخصصة تستجيب لاحتياجات مختلف الفئات، مشيرًا إلى أن عيادات «صحة المرأة» استقبلت 1,073 سيدة حتى منتصف مارس 2026. كما لفت إلى استمرار تطوير قدرات الكوادر الطبية والإدارية من خلال بروتوكولات تعاون مع منظمات دولية، من بينها منظمة الهجرة الدولية ومنظمة اليونيسيف، بما يسهم في نقل الخبرات العالمية وتطبيق أفضل الممارسات في مجال الصحة النفسية وعلاج الإدمان.
تعكس هذه الإنجازات المتلاحقة رؤية متكاملة تسعى من خلالها الدولة إلى ترسيخ مفهوم الصحة النفسية كحق أساسي لكل مواطن، وليس مجرد خدمة علاجية. وبين التطوير المؤسسي، والتوسع في الخدمات، والانفتاح على التجارب الدولية، تتشكل ملامح منظومة حديثة قادرة على مواجهة تحديات الإدمان والاضطرابات النفسية بكفاءة واقتدار. ومع استمرار هذه الجهود، تظل مصر ماضية نحو بناء نموذج رائد في تقديم خدمات الصحة النفسية، يوازن بين العلم والإنسانية، ويضع المريض في قلب منظومة الرعاية.