بقلم : أحمد طه عبد الشافي
القصة
الأب ( عماد ): غلبت كبرياؤه على عاطفته
الأم ( فاتن ): اختارت الرحيل بحثا عن ذاتها ونسيت أن أجزاء منها ستظل عالقة هناك
الأبناء:
أياد (15 عاما): الابن الأكبر الذي شاخ قبل الأوان
نورا (12 عاماً): زهرة بدأت تذبل خلف جدران الصمت
أسر (7 سنوات): الذي لا يزال ينتظر قبلة النوم التي لن تأتي
القصة:
كان البيت في شارع الياسمين يضج بالحياة حتى ذلك المساء المشؤوم لم تكن الصرخة هذه المرة من حنجرة عماد أو عتب فاتن بل كانت صرخة صامتة انبعثت من أعين الأطفال الثلاثة وهم يراقبون الحقائب تغلق ببرود
رحلت فاتن وبقي عماد جسداً بلا روح. أياد الذي كان يحلم بأن يكون مهندسا يشار إليه بالبنان وجد نفسه فجأة رجل البيت في سن الخامسة عشرة في مدرسته لم يعد يرى الحروف في الكتب بل كان يرى وجه أمه الباكي وصوت أبيه الغاضب. تحول طموحه إلى رماد وانتهى به الأمر يقضي لياليه في الشوارع هرباً من وحشة المنزل يبحث عن انتماء مزيف وسط رفاق السوء الذين تلقفوا انكساره لتضيع أولى ثمار الأسرة في غياهب الإهمال.
أما نورا. فكانت تتأمل فستانها الذي اشترته لها أمها قبل الفراق كانت تنتظر من يمشط شعرها من يسر لها بأسرار المراهقة لكنها وجدت نفسها أمام أبد يرى فيها عبئا يذكره بفشل زواجه انطوت نورا على نفسها وصار السواد تحت عينيها يحكي قصة ليال طويلة من البكاء الصامت سكنها الخوف من الرجال ومن الحب ومن فكرة الأمان فباتت تنظر للمستقبل كغرفة مظلمة لا باب لها
لكن الوجع الأكبر كان من نصيب الصغير أسر كان يحمل لعبته المفضلة ويقف خلف الباب كل مساء، يسأل بلسانٍ متعثر متى ستعود ماما
لم يجد إجابة سوى صمت الأب القاتل أو تنهيدة أخيه المثقل بالهموم بدأ أسر يتبول لا إراديا وتراجع تحصيله الدراسي حتى بات كأنه يعيش في عالم مواز صار يكره العيد ويكره اجتماعات العائلات لأنها تذكره بأنه ناقص وأن عائلته لم تكن سوى كذبة كبيرة
وفي ليلة باردة اجتمع الثلاثة في الصالة المظلمة لم يكن هناك طعام مطهو ولا حضن دافئ نظر أياد إلى شقيقته الذابلة وأخيه الضائع ثم صرخ صرخة هزت أركان البيت
لماذا جئتم بنا إلى هذا العالم إذا كنتم ستتركوننا في منتصف الطريق كحثالة لا قيمة لها طلاقكم لم يكن إنهاء لعلاقة كان وأداً لمستقبلنا.
سقطت دمعة من عين نورا على يد أسر الصغير الذي نام من التعب في تلك اللحظة كان البيت لا يزال قائما بأسواره لكن الأسرة كانت قد دفنت تحت أنقاض الأنانية لم تكن الحياة في أعينهم سوى سواد ممتد ومستقبلهم صار ريشة في مهب ريح لا ترحم .
مات الأمل وبقيت صرختهم معلقة في سقف الغرفة شاهدة على جريمة ارتكبها الكبار ودفع ثمنها فلزات اكبادنا الصغار
تحياتي