في عالم تتشكل فيه الصور الذهنية للدول عبر تقارير وتحليلات تصدرها وسائل إعلام دولية مؤثرة، لم يعد الصمت خيارا، ولم يعد الاكتفاء بالنفي المجرد كافيا، من هنا تبرز أهمية الرد الذي أصدرته الهيئة العامة للاستعلامات على تقرير مجلة الإيكونوميست البريطانية بشأن العاصمة الإدارية الجديدة، بوصفه نموذجا متوازنا للتعامل المهني مع الطرح الإعلامي الخارجي.
فالرد لم يأتِ في إطار جدل إعلامي عابر، بل انطلق من إدراك عميق بأن ما ينشر في مثل هذه المنصات لا يقتصر تأثيره على الرأي العام، بل يمتد إلى دوائر المال والأعمال وصناع القرار، لذلك كان من الطبيعي أن تتصدى الهيئة لما تضمنه التقرير من معلومات غير دقيقة، وأن تعيد تقديم الصورة في سياقها الصحيح، استنادا إلى رواية رسمية موثقة.
ما يحسب لهذا الرد أنه لم ينجر إلى لغة الانفعال، ولم يكتف برفض ما ورد، بل سعى إلى تفكيك الأساس الذي بني عليه التقرير، فقد أشار بوضوح إلى افتقار المادة المنشورة إلى مصادر موثوقة، واعتمادها على تقديرات غير مدعومة بأدلة، فضلا عن تجاهلها التواصل مع الجهات الرسمية المعنية، وهو ما يمثل خللا مهنيا لا يمكن إغفاله عند تقييم أي عمل صحفي.
كما كان لافتا أن الرد تناول واحدة من أخطر النقاط التي تكررت في بعض التناول الإعلامي، وهي مزاعم المحسوبية في تنفيذ المشروع، حيث جاء التفنيد حاسما بالتأكيد على أن جميع التعاقدات تمت وفق آليات شفافة، من خلال مناقصات مفتوحة ومنافسة عامة، وهو ما يعكس التزاما مؤسسيا واضحا بمعايير النزاهة.
الأهم من ذلك أن البيان أعاد وضع مشروع العاصمة الإدارية في إطاره الحقيقي، باعتباره جزءا من رؤية تنموية شاملة، وليس مجرد مشروع عمراني منفصل، فالقضية ليست في مدينة جديدة تبنى، بل في استراتيجية تستهدف إعادة توزيع السكان، وتخفيف الضغط عن المدن المكتظة، وخلق مراكز اقتصادية حديثة قادرة على جذب الاستثمار وتوفير فرص العمل.
وهنا تتجلى نقطة جوهرية، وهي أن التناول الانتقائي أو المجتزأ لمثل هذه المشروعات الكبرى قد يؤدي إلى استنتاجات مضللة إذا لم ينظر إليها في سياقها الأوسع، وهو ما نجح رد الهيئة في توضيحه، حين ربط بين العاصمة الإدارية وباقي مشروعات البنية التحتية والإسكان والتنمية العمرانية التي تشهدها مصر.
إن أهمية هذا الرد لا تكمن فقط في مضمونه، بل في دلالته الأوسع، باعتباره تأكيدا على أن الدولة المصرية باتت أكثر حضورا وفاعلية في إدارة صورتها بالخارج، وأكثر حرصا على تقديم روايتها بلغة هادئة تستند إلى الحقائق، دون مبالغة أو انفعال.
وفي ظل بيئة إعلامية دولية تتسم بالتعقيد والتشابك، فإن هذا النهج يمثل خطوة مهمة نحو بناء خطاب إعلامي متوازن، قادر على التصحيح والتوضيح، وفي الوقت نفسه يحترم عقل المتلقي ويخاطبه بلغة موضوعية.
هكذا، لا يكون الرد مجرد دفاع عن مشروع، بل دفاعا عن حق دولة في أن تروى قصتها كما هي، كاملة غير منقوصة.