في أواخر القرن العشرين تطّورت جميع المجالات العلمية تطورا هائلا ، ومنها على سبيل المثال “علم التربية” فوضع خبراؤها أصولا مبتكرة للتعلم لم تعرف من قبل ، حتى تسهّل للطلاب ، والطالبات استيعاب دروسهم بطرق حديثة ،وشيقة وسمّوها “باستراتيجيات التعلم” وذكروا عدة استراتيجيات ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر “التعلم عن طريق اللعب” فاللعب محبب كثيرا للأطفال ، ومن
هنا يسهل للمعلم أن يقوم بتعليم درسه من خلال ذلك ، ولذا يقول علماء التربية “إن اللعب له أهمية كبيرة في حياة الطفل على الجانب الصحي ، والنفسي ، والعقلي ، ليفرغوا فيها طاقاتهم” وقالوا أيضا “معروف لدى كثير من أولياء
الأمور بأن أبناءهم يعتمدون على أنفسهم في الاستيقاظ مبكرا عندما يذهبون إلى رحلة مدرسية ، ولا يحتاجون لمن يوقظهم”
وفى ظل قوله تعالى”يَا أُّيهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم” محور هذه المقالات المتواضعة ، قد تتعجب عندما أقول أن الإسلام قد استخدم هذه الاستراتيجيات بأكملها منذ
أكثر من ألف وأربعمائة عاما ، بل زاد عليها الكثير ، وسأذكر بعض منها بإذن الله في المقالة القادمة .. ولأهمية التربية في حياة الناس ، فقد وردت بلفظ “رب” في كتاب الله العزيز تسعمائة وثمان وسبعبن مرة ، كما أن استراتيجية “التعلم عن طريق اللعب” قد استخدمها رسول الله ﷺ أثناء ركوب الطفل عبد الله بن عباس رضى الله عنهما ، خلفه على دابته ﷺ وقد كان ذلك الطفل في غاية السعادة حينها لأنه يركب دابة خلف معلمه ﷺ كما أنه تلقّى درسه ، وهو على تلك الهيئة المحببة لكل طفل ، ولذا قص ما تعلمه من معلمه رسول الله ﷺ وقال ببلاغة رائعة لم تجدها في أطفال اليوم فضلا عن كبارهم ! “كنت رديف الرسول ﷺ
فقال لى “يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أن الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله لك ولو اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ
بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وجَفَّتْ الصُّحُفُ” عندما تتأمل ذلك الدرس الرائع بكل ما يحمله كلماته واضحة يفهمها الصغير ، والكبير ، والمتعلم ، والجاهل ، كما أنها تحمل بين طياتها معان قيمة لا تثقل بميزان الذهب ، والفضة ، بل هي أجل ـ وأعظم ، لأنها تشحذ العقل ، وتشعل
الفكر وتغذى العاطفة ، وتؤسس لعقيدة قوية راسخة كرسوخ الجبال .. ليست في قلوب الأطفال ، فحسب بل في قلوب الكبار أيضا ، وذلك من خلال أسلوب تربوي راق ، وفصيح ، جذب انتباه ذلك الطفل ، بل تعمّق داخل أحاسيسه الوجدانية ، واخترقها مستثيرا عقله وفكره ، وسرعان ما وعى التلميذ درسه ، وفهمه فهما جيدا إلى حد أنه رواه لغيره بدقة شديدة ، وإتقان رائع ، فتوارثت منه الأجيال ، جيلا بعد جيل ، حتى وصل إلى الناس سهلا ميسرا في ذلك العصر .. كما أن هذا
الدرس لم يعطل الطفل عن استمتاعه بركوب الدابة خلف معلمه ﷺ والمحبب إليه ،وإذا تمعنا ذلك الدرس بشيء من التأمل ، فستجد أنه يطمئن قلوب البشرية جمعاء
عندما يعلمون أن قدرة “الله ربنا” فوق كل قدرة ، وأنها مطلقة ، لا حدود لها ،وأن بيده الأمور كلها ، وأن جميع الناس عاجزون تماما عن تقديم أية معونة تنفع أحدهم ، إذا لم يكن الله مؤيدا لها ، ولن يستطيعوا إيذاءه ، إذا لم يكن ذلك
بإرادة الله ، وصدق الله حين قال ” إِنَّ اللَّهَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِير” يقول علماء التربية “أن مرحلة الطفولة هي الأساس في تعزيز السلوك ، وتثبيت القيم في نفوس هذه المرحلة العمرية ، لأنها تعزز له الجانب السلوكي ، والنفسي” فهذا نوع من أنواع استراتيجيات التعلم ، الذى استخدمه الرسول ﷺ ولم يستخدم
ﷺ الأسلوب التقليدي الرتيب الذي يجلب النعاس للأطفال ، أو يشرد أذهانهم ،ولا سيما في هذا العمر !
فسبحان ربى لما أنزل ! وسبحان ربى لما شرع !