قدّم توفيق الحكيم للمسرح العربي واحدة من أقصر مسرحياته وأكثرها كثافة فكرية: «نهر الجنون». هذه المسرحية ذات الفصل الواحد، التي تُعدّ من روائع ما اصطُلح على تسميته بـ«المسرح الذهني»، لا تتجاوز صفحاتها عدد أصابع اليدين، لكنها تختزل في حواراتها المكثفة إشكالية فلسفية وجودية تتجاوز حدود الزمان والمكان: ماذا يحدث حين يصبح الجنون هو القاعدة والعقل هو الاستثناء؟ وكيف يمكن لفرد عاقل أن يحافظ على عقله في مجتمع يمارس عليه ضغطًا هائلًا للامتثال لجنونه الجماعي؟
تستند المسرحية إلى حكاية أسطورية متداولةبطلها ملك رأى في منامه هاتفًا يحذره من أن ماء النهر الذي يسقي مملكته قد أصابته لعنة، وأن كل من يشرب منه سيُصاب بالجنون. يستيقق الملك فزعًا، فيأمر زوجته وحاشيته وأهل مملكته بالامتناع عن الشرب من النهر، والاكتفاء بشرب النبيذ والعصير.
لكن التحذير لم يُجدِ نفعًا. الواحد تلو الآخر، يشرب الجميع من ماء النهر ويصابون بالجنون: الزوجة، كبير الكهنة، كبير الأطباء، ثم كل الرعية. لا يبقى في المملكة كلها عاقلان سوى الملك ووزيره. وهنا تبدأ المفارقة الأغلبية الساحقة — يعتقدون أن الملك ووزيره هما المجنونان، ويتحسرون على مصيرهما ويبحثون لهما عن علاج!
وهنا انقلاب في المعايير يقول الملك: «إن المجنون لا يشعر أنه مجنون»، فيرد عليه الوزير بأن هذه الحقيقة تنطبق عليهم هم أيضًا من منظور الأغلبية: «هم يقولون يا مولاي بأنهم سلموا من الجنون لأنهم شربوا من النهر، وأن الملك إنما جُنَّ لأنه لم يشرب».
تحت وطأة العزلة والنبذ، ينهار الملك والوزير تدريجيًا. يقتنع الملك في النهاية بأن الحل الوحيد للحفاظ على ملكه وحياته هو أن يشرب من النهر هو الآخر، معلنًا استسلامه بعبارة «إنه من العقل أن أوثر الجنون».
في مملكة النهر، لم يعد الجنون هو الاستثناء، بل أصبح هو القاعدة التي تُقاس على أساسها كل السلوكيات. هذا الانقلاب في المعايير هو بالضبط ما يحدث في كثير من المجتمعات المعاصرة عندما تتحول ممارسة بعينها — مهما كانت غير منطقية — إلى «موضة» أو «توجه عام» لا يجرؤ أحد على مخالفته.
في الفضاء الرقمي المعاصر، نجد تجليات واضحة لهذه الظاهرة: «الترند» الذي يفرض على الملايين سلوكًا معينًا دون أي مسوغ منطقي، المعلومات المغلوطة التي تنتشر بسرعة أكبر من الحقائق لمجرد أنها تثير الانفعالات، والسلوكيات الاستهلاكية التي تتحكم فيها الشركات عبر خلق احتياجات وهمية. الأغلبية في كل هذه الحالات لا تملك الحقيقة، بل تملك القوة العددية التي تمنحها القدرة على فرض معاييرها.
لا تفسّر المسرحية لماذا يشرب الناس من النهر رغم علمهم بالتحذير، لكن السلوك البشري الموثّق في علم النفس الاجتماعي يقدم إجابة واضحة:
أن الفرد يميل إلى تبني رأي الأغلبية حتى حين يكون هذا الرأي خاطئًا بشكل واضح، وذلك خوفًا من العزلة الاجتماعية أو السخرية أو النبذ.
هذا ما جسّده توفيق الحكيم ببراعة. ففي المشهد الختامي من المسرحية، نجد الوزير وهو يعلن استسلامه قائلًا: «الحق؛ العقل؛ الفضيلة.. كلها أصبحت ملكًا لهؤلاء الناس؛ هم وحدهم الذين يملكونها الآن». هذه العبارة تلخص مأساة العاقل في مواجهة القطيع
من أعمق ما كشفته المسرحية أن الحقيقة ليست مسألة موضوعية خالصة، بل هي — في كثير من الأحيان — مسألة سردية يمتلكها الأقوى.
من أكثر ما يثير الجدل في المسرحية هو ذلك القرار الذي اتخذه الملك في النهاية. هل كان جبانًا حين فضّل السلامة الشخصية على التمسك بالعقل؟ أم إنه كان براجماتيًا يدرك أن الاستمرار في العزلة يعني فقدان كل شيء دون أن يغير شيئًا؟
ام ان الملك لم يختر الجنون لأنه اقتنع بأن المجانين على صواب، بل لأنه أدرك أن مفهوم «العقل» ذاته يفقد معناه وقيمته حين يصبح من يتحلون به أقلية منبوذة لا حول لها ولا قوة. لقد اختار الملك ما يمكن تسميته «العقلانية البراغماتية»: إذا كان الثمن الذي سأدفعه مقابل عقلي هو خسارة مملكتي وحياتي، فما قيمة هذا العقل أصلًا؟
هل يستحق الأمر أن تبقى متمسكًا بقيمك ومبادئك إذا كان ذلك يعني تهميشك وعزلتك التامة؟ أم أن الحكمة تقتضي أحيانًا أن تتظاهر بالجنون لتتمكن من البقاء والتأثير من الداخل؟
المشهد الإعلامي المعاصر يفيض بأمثلة عن انقلاب المعايير: الخبر العاجل الذي يُنشر دون تحقق، ثم يُكذَّب بعد ساعات، لكن التكذيب لا يصل إلى من وصل إليهم الخبر الأول. المعلومة الصادمة حتى لو كانت كاذبة تحقق انتشارًا أوسع من الحقيقة المملة. وهذا هو بالضبط منطق مملكة النهر الصوت الأعلى هو الذي ينتصر، لا الصوت الأصدق.
وثمة ممارسات اجتماعية واستهلاكية لا يمكن تفسيرها إلا في إطار «عدوى الجنون» لماذا يشتري الناس سلعًا لا يحتاجونها بأسعار خيالية لمجرد أنها تحمل علامة تجارية معينة؟ لماذا يتبنى الناس آراء لا يفهمونها لمجرد أن شخصا مؤثرا ما قالها؟ الإجابة هي أنهم شربوا من النهر، وأصبح هذا السلوك هو المعيار الجديد للعقلانية في نظرهم.
لا تقدم مسرحية «نهر الجنون» وصفة جاهزة للخلاص، وهذا هو سر عبقريتها. إنها تكتفي بطرح السؤال وتترك للقارئ عناء البحث عن الإجابة. لكن قراءة متأنية للنص، مقرونة بفهم لواقعنا المعاصر، تقودنا إلى استنتاج مفاده أن المقاومة ممكنة، لكنها مؤلمة.
المقاومة تبدأ من الوعي بوجود «نهر الجنون» في محيطنا أصلًا. كثيرون يشربون من النهر دون أن يدركوا أنهم يشربون، لأن الجنون — كما تقول المسرحية — لا يشعر به صاحبه. الوعي بأن ثمة تيارًا جارفًا يحاول جرّنا إلى سلوكيات لا منطقية هو الخطوة الأولى نحو مقاومته.
ثم تأتي الخطوة الثانية، وهي الأصعب: الصمود أمام ضغط القطيع. ليس مطلوبًا من كل فرد أن يكون ملكًا أو وزيرًا يعيش في عزلة تامة، لكن المطلوب على الأقل ألّا نستسلم للتيار لمجرد أنه تيار. ألّا نصبح «إمّعة»
في النهاية، تبقى «نهر الجنون» مرآة تعكس مأساة العقل في عالم يمجّد اللامعقول، وتذكرنا بأن السؤال الذي طرحه توفيق الحكيم قبل تسعين عامًا لا يزال ينتظر إجابة: ما قيمة نور العقل وسط مملكة من المجانين؟ لعل الإجابة تكمن في أن قيمته ليست في قدرته على تغيير المملكة، بل في قدرته على منح صاحبه القدرة على الرؤية في الظلام، حتى لو كان وحيدًا. فأن ترى الحقيقة وأنت منبوذ، خير من أن تعيش في وهم القبول وأنت أعمى.