حسين السمنودي
لم تعد القضايا التي تُثار في مجتمعاتنا مجرد أحداث عابرة، بل أصبحت – في زمن السوشيال ميديا – شرارات قد تتحول في لحظات إلى حرائق فكرية واجتماعية يصعب إخمادها. ومن بين تلك القضايا التي تفجّرت مؤخرًا، ما يمكن أن نطلق عليه “الفتنة الغذائية المصرية”، تلك الحالة الجدلية التي اشتعلت بعد تصريحات الدكتور ضياء العوضي قبل وفاته، ثم ازدادت اشتعالًا وغموضًا بعد رحيله المفاجئ، لتتحول من نقاش علمي محدود إلى قضية رأي عام تجاوزت حدود مصر، وامتدت إلى العالم العربي وبعض الدول الأفريقية، حاملة معها تساؤلات مشروعة، وأخرى مشحونة بالريبة، وثالثة يغذيها الخوف أو الجهل أو سوء النية.
القضية في جوهرها لم تكن لتأخذ هذا المنحنى الخطير لو بقيت في إطارها الطبيعي: نقاش علمي يُطرح فيه الرأي والرأي الآخر، وتُحسم فيه المسائل عبر المختصين، لكن ما حدث هو أن الأمر خرج من أيدي العلماء إلى ساحات العامة، ومن منصات البحث إلى شاشات الهواتف، ومن لغة الدليل إلى لغة الانفعال. وهنا، تحوّل “الطعام” – الذي جعله الله سكنًا للإنسان وسببًا للحياة – إلى مصدر قلق يومي، وساحة صراع فكري، ومادة خصبة للشائعات.
لقد وجد المواطن البسيط نفسه فجأة أمام سيلٍ من المعلومات المتضاربة: هذا يقول إن ما نأكله مشكوك فيه، وذاك يؤكد أن هناك مكونات محرّمة دخلت إلى الأسواق، وثالث يتحدث عن طرق تصنيع غير شرعية، ورابع يربط كل ذلك بمؤامرات كبرى تستهدف صحة المصريين وعقيدتهم. وبين هذا وذاك، ضاع صوت العقل، وغابت المرجعية، وتاهت الحقيقة في زحام “الترند”.
وهنا يبرز سؤال في غاية الأهمية: لماذا نصدق الشائعة بسهولة؟ ولماذا ننجذب إلى الروايات المثيرة حتى لو كانت بلا دليل؟ الإجابة تكمن في أزمة أعمق من مجرد “معلومة خاطئة”، إنها أزمة ثقة وأزمة وعي. فحين تغيب الثقة في المؤسسات، يبحث الناس عن بدائل، وحين يضعف الوعي، تصبح أي رواية – مهما كانت هشة – قابلة للتصديق، بل والدفاع عنها.
لكن الأخطر من ذلك، أن هذه الفتنة لم تتوقف عند حدود القلق الفردي، بل بدأت تُلقي بظلالها على الاقتصاد الوطني، وعلى سمعة المنتجات المصرية في الداخل والخارج. فحين يشك المواطن في غذائه، يتراجع استهلاكه، وحين تتراجع الثقة، تتأثر الأسواق، وحين تتأثر الأسواق، تتضرر منظومة كاملة من العاملين: من الفلاح إلى التاجر إلى المصنع. وهنا تتحول الشائعة من مجرد “كلام” إلى خسائر حقيقية تمس لقمة العيش.
أما عن البعد الديني، فهو الأكثر حساسية في هذه القضية. فالحلال والحرام ليسا موضوعًا يُتناول بخفة، ولا مجال فيه للاجتهاد غير المنضبط. وقد وضعت الشريعة الإسلامية قواعد واضحة في هذا الباب، تقوم على التيسير لا التعسير، وعلى اليقين لا الظن. لكن ما نراه اليوم هو نوع من “التشدد الشعبي”، حيث يتسابق البعض إلى إطلاق الأحكام، دون علم أو تخصص، فيُحرّم ما لم يُحرّمه الله، ويُضيّق على الناس في معاشهم، ويزرع في قلوبهم الشك بدل الطمأنينة.
ولعل وفاة الدكتور ضياء العوضي في ظروف غامضة زادت من تعقيد المشهد، وفتحت أبوابًا واسعة للتأويل، بل وأشعلت خيال البعض لربط وفاته بما أثاره من جدل، دون أي سند أو دليل. وهنا يجب أن نقف وقفة حاسمة: لا يجوز أن نبني مواقفنا على الظنون، ولا أن نحول كل حدث غامض إلى “قضية كبرى” دون تحقيق أو معلومات موثقة. فالمجتمعات لا تُدار بالعاطفة، بل بالحقائق.
إن المسؤولية اليوم مشتركة بين الجميع. على المؤسسات الدينية أن تُكثف من توضيح الأحكام الشرعية بلغة بسيطة تصل إلى الناس، وعلى الجهات الرقابية أن تُعلن بشفافية عن سلامة المنتجات وجودتها، وعلى الإعلام أن يتحلى بالمهنية، فينقل الحقيقة دون تهويل أو تقليل، وعلى المواطن نفسه أن يتحلى بالوعي، فلا يكون أداة لنشر الشائعة، ولا وقودًا لنار الفتنة.
كما أن التعليم له دور محوري في بناء هذا الوعي، فالمجتمع الذي يفهم أساسيات العلم، ويميز بين الرأي والحقيقة، وبين الخبر والتحليل، هو مجتمع أقل عرضة للانخداع، وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات. ونحن في حاجة ماسة إلى إعادة بناء “العقل النقدي” لدى الأجيال، حتى لا يصبحوا أسرى لكل ما يُنشر أو يُقال.
وفي خضم كل هذا، لا يجب أن نغفل حقيقة بسيطة لكنها عميقة: مصر، عبر تاريخها الطويل، كانت ولا تزال أرض الطيبات. لم تُعرف يومًا بأنها مصدر للحرام، بل كانت سلة غذاء، ومصدر خير، ومأوى للأمن الغذائي في المنطقة. وما نراه اليوم هو سحابة عابرة، قد تحجب الرؤية لبعض الوقت، لكنها لن تُغيّر من جوهر الحقيقة.
وفي ختام هذا المشهد المزدحم بالأسئلة والقلق، لا يمكن التقليل مما يتداوله المواطنون، ولا يجوز في الوقت ذاته التسليم به دون تمحيص. فحالة الجدل الدائرة اليوم حول “الحلال والحرام” في غذائنا ليست مجرد موجة عابرة من الشائعات، بل تعبير صادق – وإن اختلط فيه الحق بالباطل – عن عمق شعور الناس بالخوف على دينهم وصحتهم ومستقبل أبنائهم. إن هذا التفاعل الواسع، وهذا القلق الممتد من بيت إلى بيت، ومن قرية إلى مدينة، بل ومن مصر إلى محيطها العربي والأفريقي، يكشف أن القضية لامست وترًا حساسًا في وجدان الأمة، وأنها لم تعد شأنًا فرديًا، بل أصبحت همًا جماعيًا يستحق التوقف والتأمل.
لكن العمق الحقيقي لا يُقاس بحجم الضجيج، بل بقدرتنا على تحويل هذا القلق إلى وعي، وهذا الجدل إلى معرفة، وهذه المخاوف إلى خطوات إصلاح حقيقية. فالمواطن حين يتساءل: “هل ما نأكله حلال؟” فهو لا يبحث عن إثارة، بل عن طمأنينة، وحين يقلق من مصدر غذائه، فهو لا يتآمر على وطنه، بل يحاول أن يحمي نفسه وأسرته. ومن هنا، فإن الاستهانة بما يُتداول خطأ، كما أن تضخيمه بلا دليل خطر أكبر. الطريق الصحيح هو أن نُحسن الإصغاء لهذا القلق، ثم نُجيب عنه بالعلم، لا بالصمت، وبالشفافية، لا بالتجاهل.
إن ما يدور اليوم يثبت أن الشعوب لم تعد تقبل أن تكون متلقية فقط، بل أصبحت شريكًا في النقاش، تبحث، وتسأل، وتُحلل، وإن أخطأت أحيانًا. وهذه في حد ذاتها ظاهرة صحية إذا وُجّهت توجيهًا سليمًا. لكن تركها دون ضابط يحولها إلى فوضى، ودون مرجعية يجعلها عرضة للاستغلال، سواء من أصحاب المصالح أو مروّجي الفتن أو حتى من الجهل غير المقصود.
ولذلك، فإن عمق ما يتداوله المواطنون اليوم يجب أن يُقابل بعمقٍ مماثل في الطرح الرسمي والعلمي، لا بردود مقتضبة، ولا ببيانات عامة، بل بحوار مفتوح، شفاف، يضع الحقائق كاملة أمام الناس، ويُشركهم في الفهم، لا يُقصيهم عنه. فالثقة لا تُفرض، بل تُبنى، ولا تُستعاد بالشعارات، بل بالمصارحة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: أن المجتمع الذي يخاف على حلاله هو مجتمع حي، لكن المجتمع الذي يُدير هذا الخوف بعقلٍ واعٍ هو مجتمع قوي. وبين الحياة والقوة، تقف مصر اليوم أمام فرصة حقيقية، إما أن تتحول هذه الفتنة إلى شرخ، أو تتحول إلى نقطة انطلاق نحو وعيٍ أعمق، ونظامٍ أكثر شفافية، وثقةٍ أكثر رسوخًا.
فلنُحسن الاختيار… لأن ما نأكله ليس مجرد طعام، بل قضية تمس الدين، والصحة، والاقتصاد، والهوية. وإذا كان المواطن قد عبّر عن قلقه، فإن الواجب الآن أن نُترجم هذا القلق إلى يقين، وهذا الجدل إلى استقرار، وهذه الفتنة إلى درسٍ لا يُنسى في كيف تبنى الأمم وعيها… لا كيف تهدمه.
وستظل مصر – رغم كل شيء – بلد الطيبات والحلالات، بلد الخير الذي لا ينقطع، والبركة التي لا تزول، ما دام فيها شعب يعرف الحق، ويتمسك به، ولا ينساق خلف كل ريح. حفظ الله مصر، وأهلها، وطعامها، ووعيها، من كل فتنة، ظاهرة كانت أو خفية.