كلمة “لا” صغيرة لكنها قوية ومؤثرة جداً فى النفس البشرية، مخيفة جداً رغم صغر حجمها، لكنها بمثابة خنجر يغرس في القلب والنفس، عند سماعها ينهار العقل، عند استيعابها، لذلك يعجز المرء عن قولها.
فلماذا نعجز عن قول كلمة “لا”؟ هل خوفاً من الرفض أم من الشعور بالذنب؟
نخاف جداً من قول “لا” بصوت عال، بل تتردد أحبالنا الصوتية عند نطق كلمة “لا”، ونجهل أنها وقاية من أمراض كثيرة. وكما تعلمنا أن الوقاية دائما خير من العلاج، ولكن أحياناً نختار الأمراض والتعب النفسى والمعاناة خوفاً من الرفض، فكلمة “لا” تجلب في طياتها المعاناة والعواقب الوخيمة. فالبعض يعتبرها فقدان السيطرة على الأشخاص والأشياء، فلا تُقبل كلمة “لا” من الآخر، ولا نستطيع إطلاق سراحها من أفواهنا، لأننا نعجز عن تصنيفها بشكل صحيح، فبدلاً من اعتبارها رفضاً للحدث تأخذ بمحمل شخصى ونعتبرها إهانة ورفضاً للأشخاص وقتلاً لكبريائهم.
فهل كلمة “لا” هى رفض للأشخاص فعلا، أم أنها مجرد رفض لموقف لا يناسبنا؟ ولماذا نحملها أكثر مما تحتمل، فنحولها من حدود صحية إلى إحساس بالذنب أو الإهانة؟
ولماذا تهتز العلاقات عند سماع كلمة “لا” وكأنها جريمة لا بد من العقاب عليها؟
والمفارقة أن “لا” التى نظنها قسوة، قد تكون في حقيقتها أرق أشكال الرحمة، رحمة بالنفس من الاستنزاف، وبالقلب من التشتت، وبالروح من التورط في ما لا يشبهها. هي ليست جدارا بيننا وبين الآخرين، بل نافذة نختار من خلالها ما يستحق أن يدخل حياتنا وما يجب أن يبقى خارجها. فكلمة “لا” ليست إلا خط فاصل بين ما نريد وما يفرض علينا قبوله تحت مسميات مختلفة مثل الخوف من الرفض، الشعور بالذنب، إرضاء الآخرين، الخوف من الوحدة والفقر. فالنتيجة في معظم الأحيان “العقاب”، وخوفا من العقاب نبتلعها بداخلنا في كثير من المواقف التي تحتاج إلى إعلانها واضحة.
ويؤسفني أن أقول إن الأخطر من التعبير بكلمة “لا” هو كلمة “نعم” في بعض الأحيان، لأنها تتحول إلى عبء نرتديه رغما عنا، وننسى أن الراحة الحقيقية تبدأ حين نكون صادقين مع أنفسنا قبل أن نكون مرضيين للآخرين.
فلا بد أن نتعلم قول كلمة “لا”، فهي ليست نقصاً في محبتنا لأحد ولا تقليلاً من قيمتنا. فلماذا نشعر بصعوبتها لهذا الحد؟
هي ليست كلمة صعبة كما نظن، بل كلمة “لا” تعيد ترتيب الفوضى داخلنا، وتمنحنا حقنا البسيط في أن نختار.
لأن أخطر ما قد نعيشه ليس أن نقول “لا”، بل أن نقول “نعم” طوال الوقت فنفقد أنفسنا ونحن نحاول ألا نخسر الآخرين.
فقول “لا” حين يجب أن تقولها دون خوف ودون أن تشعر بالذنب، فالعواقب أقل كثيرا من قبول ما لا يليق بنا.