إن احداث التنمر والتعالي من بعض القيادات والرؤساء علي مرؤسيهم الموظفين في العمل . تدعونا النداء لمن يهمه الأمر : إن المواطن يجب أن يكون أولا. ففي دولة كبيرة بحجم مصر ، بتاريخها وثقلها الإنساني والحضاري، لا يمكن أبدًا أن تُبنى العلاقات على أساس من التعالي أو الاستهانة بالمواطن..
فالعلاقة بين المسؤول والمواطن ليست علاقة سلطة مطلقة من طرف، وخضوع من طرف آخر، بل هي عقد أخلاقي قبل أن يكون إداريًا
، قوامه الاحترام ، والعدل، وخدمة الناس دون تمييز.
المسؤول الذي يجلس على مقعده التنفيذي لا يفعل ذلك ليتباهى بالمنصب، أو ليمارس نفوذًا على البسطاء، بل ليحمل أمانة ثقيلة، عنوانها الأول: كرامة المواطن. هذه الكرامة ليست منحة
من أحد، بل حق أصيل لا يقبل الانتقاص أو التأجيل. وأي تجاوز في هذا الحق، مهما بدا بسيطًا في ظاهره، هو في حقيقته شرخ في جدار الثقة بين الدولة ومواطنيها.
لقد عانت مجتمعات كثيرة عبر التاريخ من فجوة خطيرة بين الحاكم والمحكوم،
وكانت البداية دائمًا كلمة متعالية، أو تصرفًا يحمل استهانة، ثم تتراكم الممارسات حتى تتحول إلى حالة من الغضب الصامت. ومن هنا، فإن الحزم في مواجهة أي مسؤول يسيء استخدام سلطته، ليس رفاهية،
بل ضرورة لحماية استقرار المجتمع وصورته أمام نفسه قبل الآخرين.
إنها رسالة واضحة لا لبس فيها يجب أن تُرسخ: من لا يحترم المواطن ، لا يستحق أن يكون في موقع المسؤولية. المنصب ليس حصانة، بل اختبار يومي للأخلاق قبل الكفاءة. والقدرة على اتخاذ قرار حاسم بإقالة أي مسؤول يتجاوز حدوده، تعني أن الدولة جادة في ترسيخ مبادئ العدالة والمساءلة، وأنها تقف
إلى جانب المواطن، لا فوقه. المواطن المصري ليس رقمًا في سجلات، ولا مجرد متلقٍ للخدمة، بل هو شريك في بناء هذا الوطن.
هو من يعمل، ويدفع، ويصبر، ويصنع الحياة في كل شارع وقرية ومدينة.
وبالتالي، فإن أقل ما يستحقه هو معاملة إنسانية تليق به، واستماع حقيقي لمشكلاته، واستجابة عادلة لحقوقه.
كما أن ثقافة الاحترام لا تُفرض فقط بالعقوبات، بل تُبنى بالتدريب والتأهيل، واختيار الكفاءات التي تدرك معنى الخدمة العامة. فالمسؤول الناجح هو من يرى في منصبه وسيلة لحل الأزمات، لا تعقيدها، ومن يفتح بابه للناس بدل أن يغلقه في وجوههم، ومن يتحدث بلغة التقدير لا التهكم أو الاستعلاء.
وفي النهاية، فإن أي دولة تسعى للتقدم الحقيقي، لا بد أن تبدأ من نقطة واضحة: الإنسان أولًا. وإذا كان الحفاظ على كرامة المواطن هو الخط الأحمر الذي لا يُسمح بتجاوزه، فإن إعلان إقالة كل من يستهين بهذا المبدأ، يصبح ليس مجرد قرار إداري، بل إعلانًا لقيمة وطنية راسخة، تقول ببساطة: في مصر المواطن له مكانته…ومن لا يدرك ذلك، لا مكان له.