فى لحظة مصارحة ضرورية , علينا أن نتوقف أمام سؤال يفرض نفسه بقوة لماذا لا تنعكس كثافة التدين الظاهرى فى مجتمعاتنا على سلوك يومى أكثر انضباطا ونزاهة؟ ولماذا تنجح مجتمعات اخرى لا ترفع الشعارات الدينية بنفس الصخب فى تحقيق مستويات عالية من النظام والامان والانتاج واحترام القانون ؟
لننظر الى اليابان حيث لايهمن الخطاب الدينى على الحياة العامة بالشكل المعروف فى عالمنا العربى ومع ذلك نجد مجتمعا يقدس العمل ويحترم الوقت والنظام والنظافة العامة فالقيم هناك لا تترك للخطب وحدها بل تغرس منذ الطفولة عبر التعليم والثقافة والمؤسسات حتى تحولت الى سلوك يومى راسخ .
وفى المقابل تزخر مجتمعاتنا بالآف المساجد وملايين الخطب وحضور كثيف للوعظ الدينى فى كل مناسبة لكننا مازلنا نعانى من الفساد الادارى وضعف احترام القانون والتعدى على المال العام وتراجع قيمة الاتقان فى العمل.
وقد عبر المستعرب اليابانى نوبواكى نوتوهارا الذى عاش عقودا فى العالم العربى عن هذه المفارقة , حين اشار الى أن الازمة ليست فى النصوص بل فى غياب ترجمة القيم الى واقع عملى .
والتاريخ الاسلامى نفسه يؤكد هذه الحقيقة فإزدهار الحضارة الاسلامية لم يكن نتيجة كثرة الشعائر فقط بل ثمرة الجمع بين الايمان والعلم , بين المساجد وبيت الحكمة, بين الروح والعقل , بين الاخلاق والعمل وعندما انفصلت القيم عن التطبيق وتحول الدين عند البعض الى مظهر أكثر منه منهجا بدأ التراجع الحضارى
ان التدين الحقيقى لا يقاس بطول الخطب ولا بكثرة الشعارات بل بمدى احترام الانسان لعمله والتزامه بالقانون وحفاظه على المال العام وصدقة فى معاملاته فالقيم لا تقاس بعدد المرات التى تقال فيها بل بعدد المرات التى تمارس فيها , ان بناء مجتمع متماسك لا يتحقق بالوعظ وحده وإنما عبر منظومة متكاملة تقوم على : –
تعليم ينمى التفكير لا الحفظ – قانون يطبق على الجميع بلا استثناء – اقتصاد يكافىء الانتاج لا الوساطة – ثقافة ترسيخ المسؤولية الفردية تجاه المجتمع .
فالحضارة لا تبنى بالشعارات دينية كانت وغير دينية وإنما تبنى حين تتحول القيم الى سلوك والاخلاق الى مؤسسات والعمل الى ثقافة عامة .
الخلاصة : الدين يمكن ان يكون قوة هائلة فى بناء الانسان والمجتمع لكن بشرط أن يتحول من طقوس شكلية الى منظومة حياة حقيقية , بدون ذلك سيظل مجرد شعار رمزى لا يغير الواقع .. فالحضارة لا تبنى بالمأذن وحدها بل بالعقول التى تفكر والايدى التى تعمل والضمائر التى لا تغيب .