مع كل بطولة لكأس العالم أو تصفيات مؤهلة إليه، تعود كرة القدم لتصبح أكثر من مجرد لعبة، فهي لغة تجمع الملايين، ومساحة يلتقي فيها أبناء الوطن على حلم واحد وأمل واحد. وبينما تختلف الانتماءات الرياضية بين الأهلي والزمالك والإسماعيلي والاتحاد وبيراميدز وسائر الأندية، يبقى هناك انتماء أكبر وأعمق وأغلى من كل الانتماءات، وهو الانتماء لمصر.
المصري بطبيعته ليس له كتالوج ثابت يمكن قراءته أو توقعه، فهو ابن حضارة ضاربة في عمق التاريخ، وعاشق لتراب وطنه مهما اختلفت آراؤه أو توجهاته أو ميوله الرياضية. قد نختلف في السياسة، وقد نتباين في الرؤى والأفكار، وقد تتعدد انتماءاتنا الرياضية، لكن حين يحمل المنتخب المصري اسم مصر في المحافل الدولية، يصبح الجميع على قلب رجل واحد.
كرة القدم ليست مجرد منافسة داخل المستطيل الأخضر، بل هي رسالة وحدة وطنية تظهر في أجمل صورها عندما يتوحد الشعب خلف علمه ونشيده الوطني. عندها تختفي ألوان الأندية، وتتراجع الخلافات، ويرتفع صوت مصر فوق كل الأصوات.
إن دعم المنتخب الوطني ليس دعماً لأحد الأندية أو الأشخاص، بل هو دعم لاسم مصر ومكانتها وصورتها أمام العالم. فالمنتخب يمثل أكثر من مئة مليون مصري، ويحمل أحلام شعب بأكمله يتطلع دائماً إلى رؤية علمه مرفوعاً بين الأمم.
ولعل من أجمل الذكريات التي لا تزال محفورة في وجدان المصريين والعرب على حد سواء، هدف الكابتن مجدي عبد الغني في مرمى منتخب هولندا خلال بطولة كأس العالم 1990. ذلك الهدف لم يكن مجرد كرة سكنت الشباك، بل أصبح رمزاً لجيل كامل وحلماً عاش في ذاكرة المصريين لعقود طويلة. ورغم مرور السنوات، لا يزال المصريون يتذكرون تلك اللحظة بفخر، لأنها جسدت معنى أن يكون لمصر حضورها وصوتها في أكبر محفل كروي عالمي. واليوم يتجدد الحلم مع كل جيل جديد من اللاعبين، ويتجدد معه الأمل بأن نشاهد إنجازات أكبر تضاف إلى سجل الكرة المصرية، لتبقى راية مصر دائماً مرفوعة بين الأمم.
وفي كل مرحلة من مراحل التاريخ، حاول أعداء الأوطان استغلال الخلافات الصغيرة وتحويلها إلى صراعات كبيرة، ونشر الشائعات وبث الفتن وإشعال الانقسامات. لكن الشعوب الواعية تدرك أن قوة الوطن تبدأ من وحدته، وأن النجاح لا يتحقق إلا عندما تتقدم المصلحة الوطنية على أي اعتبارات أخرى.
اليوم، ونحن نتابع مشوار المنتخب المصري نحو تحقيق المزيد من الإنجازات، فإن الرسالة الأهم ليست فقط الفوز في مباراة أو التأهل إلى بطولة، بل التأكيد على أن المصريين قادرون دائماً على التوحد خلف وطنهم عندما يناديهم الواجب الوطني.
فلنجعل من الرياضة مناسبة لتعزيز الانتماء، ومن المدرجات منصة للحب والدعم، ومن مواقع التواصل مساحة للتشجيع الإيجابي بعيداً عن التعصب والفتن والشائعات. ولنتذكر دائماً أن الأهلي والزمالك وغيرهما أندية نفخر بها جميعاً، لكنها تظل جزءاً من منظومة أكبر اسمها مصر.
حين تلعب مصر، لا يبقى سوى علم واحد نرفعه، ونشيد واحد نردده، وحلم واحد ندعو الله أن يتحقق. كل التوفيق والسداد لمنتخب مصر الوطني، وكل الأمنيات بأن يواصل إسعاد جماهيره، وأن يظل نموذجاً لوحدة المصريين وحبهم لوطنهم.
تحيا مصر… قوية بأبنائها،
موحدة بإرادتهم،
وماضية نحو مستقبل تستحقه.