من أعظم سنن الله في عباده أنه قد يسوقهم إليه بأسباب لم يكونوا يحبونها، ويقودهم إلى قربه من خلال آلام كانوا يتمنون ألا يذوقوها. فكثير من الناس يظنون أن النعم وحدها هي التي تقرب العبد من ربه، بينما الواقع أن المحن في أحيان كثيرة تكون أسرع طريق إلى الله من النعم، وأن الانكسار قد يكون بابًا من أبواب الهداية، وأن الجراح التي ينزف منها القلب قد تكون منافذ يدخل منها نور الإيمان.
كم من إنسان كان معلق القلب بالبشر، يظن أن سعادته عندهم، وأن نجاته بأيديهم، وأن رزقه لا يأتي إلا من خلالهم، وأن مكانته لا تقوم إلا برضاهم، حتى جاءت لحظة فاصلة في حياته. ربما كان شخصًا أحبه من أعماق قلبه فكسر قلبه، أو صديقًا وثق فيه فخانه، أو قريبًا أحسن إليه فجحد فضله، أو صاحب سلطان ظلمه واستغل قوته عليه. عندها اهتزت الصورة التي رسمها في ذهنه عن الناس، وسقطت الأصنام الخفية التي كان يعلق بها قلبه دون أن يشعر.
إن الله سبحانه يعلم أن القلب لا يتسع لحبين متنافسين؛ فكلما امتلأ القلب بالاعتماد على الخلق ضعف اعتماده على الخالق، وكلما عظم الرجاء فيما عند الناس قل الرجاء فيما عند الله. لذلك قد يقدر الله على بعض عباده مواقف مؤلمة تنزع من قلوبهم التعلق بالبشر، لا انتقامًا منهم، وإنما رحمة بهم، ليعيدهم إلى الأصل العظيم: أن يكون الاعتماد عليه وحده، والتوكل عليه وحده، والرجاء فيه وحده.
وفي لحظات الخذلان يكتشف الإنسان حقيقة طالما غفل عنها، وهي أن البشر مهما بلغ حبهم فهم بشر، ومهما عظمت قوتهم فهم ضعفاء، ومهما اتسعت أيديهم فإن خزائنهم محدودة، ومهما صدقت وعودهم فإنهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا إلا بما شاء الله. عندها تبدأ رحلة جديدة في حياة العبد، رحلة التحرر من عبودية الخلق إلى عبودية الخالق.
ولعل من أعظم النعم التي يهبها الله لعبده نعمة الانكسار بين يديه. فالعبد حين يشعر بقوته قد يغفل، وحين يشعر باستغنائه قد يبتعد، أما إذا انكسر قلبه فإنه يرفع يديه إلى السماء صادقًا، وينادي ربه من أعماق روحه، ويشعر لأول مرة أنه لا ملجأ له إلا الله، ولا منجى له إلا الله، ولا سند له إلا الله.
وهنا تتجلى أسرار القرب الإلهي. فالله سبحانه قريب من عباده، يسمع نجواهم، ويعلم شكواهم، ويرى دموعهم التي لا يراها أحد. ورب دعوة خرجت من قلب منكسر كانت سببًا في تغيير حياة كاملة. ورب دمعة نزلت في جوف الليل فتحت لصاحبها أبواب الرحمة والفرج والسكينة. ورب محنة ظن صاحبها أنها نهاية حياته فإذا بها بداية أعظم أيامه.
إن كثيرًا من الصالحين لم يصلوا إلى مراتبهم العالية إلا بعد أن ذاقوا مرارة الابتلاء. فالابتلاء يربي النفس، ويهذب القلب، ويكشف حقائق الناس، ويعلم العبد أن القوة الحقيقية ليست فيما يملكه من مال أو جاه أو علاقات، وإنما في صلته بالله. فإذا استقرت هذه الحقيقة في القلب أصبح الإنسان أكثر ثباتًا أمام تقلبات الدنيا، فلا يرفعه مدح الناس كثيرًا، ولا يحطمه ذمهم كثيرًا، لأنه أصبح متعلقًا بمن لا يتغير ولا يتبدل.
ومن حكم الله العظيمة أن الخذلان البشري كثيرًا ما يكون مقدمة للعطاء الرباني. فالعبد قد يُحرم من باب ليُفتح له باب أعظم، وقد يُغلق في وجهه طريق ليُقاد إلى طريق أفضل، وقد يخسر شخصًا ليكسب نفسه، وقد يفقد سندًا من أهل الأرض ليكتشف سند السماء الذي لا يزول.
وليس المقصود من هذه المعاني أن يكره الإنسان الناس أو يقطع علاقته بهم، فالإسلام دين المودة والرحمة والتعاون، ولكن المقصود أن يبقى القلب حرًا من التعلق المذل، وأن يعلم أن الناس أسباب، أما المسبب فهو الله، وأن الخلق وسائل، أما المعطي والمانع والناصر والرازق فهو الله وحده.
فإذا وصل العبد إلى هذه المرحلة تبدلت حياته كلها. يصبح أكثر طمأنينة لأن قلبه متعلق بمن بيده ملكوت كل شيء، وأكثر راحة لأنه لم يعد ينتظر من الناس ما لا يملكونه، وأكثر رضا لأنه يعلم أن تدبير الله خير من تدبيره لنفسه. وإذا نزلت به مصيبة قال: حسبي الله. وإذا ضاقت به الدنيا قال: الله معي. وإذا أُغلقت الأبواب قال: باب الله لا يغلق. وإذا خانه الناس قال: يكفيني وفاء ربي.
وهكذا تتحول الجراح إلى منح، والآلام إلى دروس، والخذلان إلى هداية، والانكسار إلى قرب، وتصبح الأحداث التي ظنها الإنسان شرًا محضًا أسبابًا في أعظم خير ناله في حياته. وما أكثر عبادًا بكوا يومًا بسبب ظلم وقع عليهم، ثم حمدوا الله بعد سنوات لأن ذلك الظلم كان السبب الذي أعادهم إلى ربهم وأيقظ قلوبهم من غفلتها.
إن أجمل ما يخرج به المؤمن من تجاربه المؤلمة أن يعلم أن الله إذا أخذ شيئًا عوض خيرًا منه، وإذا أغلق بابًا فتح أبوابًا، وإذا كسر تعلق القلب بغيره فإنه يهيئه لنعمة أعظم، هي نعمة الأنس بالله. ومن ذاق الأنس بالله هانت عليه وحشة الدنيا كلها، ومن وجد الله فماذا فقد؟ ومن فقد الله فماذا وجد؟
لذلك لا تيأس إذا خذلك الناس، ولا تحزن إذا انفض من حولك من كنت تظنهم سندًا، ولا تظن أن كل باب أغلق في وجهك علامة على غضب الله. فقد يكون ذلك الباب المغلق هو الطريق الذي يقودك إلى أعظم فتح في حياتك. وقد يكون الكسر الذي أصاب قلبك هو الذي سيجعلك أقرب إلى الله من أي وقت مضى.
فإذا ضاقت بك الدنيا يومًا، وتكاثرت عليك الهموم، وشعرت أن الناس قد تركوك وحدك، فتذكر أن الله ربما يناديك من وراء تلك الأحداث كلها، يريد أن يراك واقفًا على بابه، رافعًا يديك إليه، معلنًا فقرك وحاجتك بين يديه. فإذا فعلت ذلك وجدت ربًا رحيمًا لا يرد من قصده، ولا يخذل من رجاه، ولا يضيع من احتمى بجنابه.
وهناك يصل العبد إلى الحقيقة الكبرى: أن أعظم مكاسب الحياة ليست كثرة المال، ولا اتساع الجاه، ولا كثرة الأصحاب، وإنما أن يعرف العبد ربه حق المعرفة، وأن يجد في قربه سعادته، وفي ذكره راحته، وفي التوكل عليه قوته، وفي رضاه غايته. فإذا رزق الإنسان هذه النعمة فقد ملك كنزًا لا تنفد قيمته، وربح ربحًا لا تلحقه خسارة، وسعادة لا يستطيع أهل الأرض جميعًا أن ينتزعوها من قلبه.