بقلم دكتور/ طارق هلال
لماذا كانت مصر حاضرة على طاولة الكبار؟ ولماذا عندما يناقش العالم أزمات الشرق الأوسط، تدعى القاهرة للمشاركة في صناعة الحلول لا لمجرد الاستماع إليها؟ والإجابة ببساطة أن الدول لا تُدعى إلى مثل هذه القمم بالمجاملة، وإنما بقدر تأثيرها وقدرتها على صناعة التوازنات وإدارة الأزمات. فعندما اجتمع قادة الدول الصناعية الكبرى في قمة السبع لمناقشة أخطر الملفات الدولية والإقليمية، كانت مصر حاضرة بصوتها ورؤيتها ودورها التاريخي، إلى جانب دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر، باعتبارها من الدول الأكثر تأثيرًا في معادلات المنطقة.
مصر.. دولة لا يمكن تجاوزها
على مدار عقود طويلة أثبتت مصر أنها ركيزة الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن أي محاولة لمعالجة أزمات المنطقة دون دور مصري فاعل تظل منقوصة وغير مكتملة. فموقعها الجغرافي، وثقلها السكاني، وقوتها العسكرية، ودورها الدبلوماسي، وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، جعل منها طرفًا رئيسيًا في كل ملفات الأمن والاستقرار الإقليمي، ولهذا لم يكن مستغربًا أن تشارك مصر في جلسة “الخروج من الأزمات وضمان الاستقرار في الشرق الأوسط” ضمن أعمال قمة السبع، بحضور قادة الدول الكبرى وصناع القرار العالمي.
لماذا مصر والإمارات وقطر؟
اختيار هذه الدول الثلاث لم يكن عشوائيًا، بل يعكس حجم الدور الذي تقوم به كل دولة في ملفات المنطقة. فالإمارات تمتلك حضوراً اقتصادياً واستثمارياً مؤثراً، وقطر تلعب أدواراً مهمة في الوساطات الإقليمية، أما مصر فتمثل الدولة المحورية التي تجمع بين القوة السياسية والعسكرية والدبلوماسية، وتمتلك علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، فضلاً عن دورها المركزي في القضية الفلسطينية، وأمن البحر الأحمر، وأمن الطاقة، ومكافحة الإرهاب، والحفاظ على استقرار
الدول الوطنية.
القضايا التي ناقشتها القمة
جاءت مناقشات القمة في توقيت بالغ الحساسية، حيث تناولت مجموعة من الملفات شديدة التعقيد، أبرزها: مستقبل الأوضاع في الشرق الأوسط، الحرب في قطاع غزة وآفاق التسوية السياسية، التصعيد مع إيران وأمن المنطقة، حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات البحرية، الأوضاع في لبنان، الأمن المائي وأمن الطاقة، الحد من انتشار الأسلحة النووية، بناء ترتيبات إقليمية جديدة للأمن الجماعي. وهي ملفات تمس بصورة مباشرة الأمن والاستقرار العالمي، وليس الإقليمي فقط.
رؤية مصر.. صوت الحكمة والتوازن
خلال كلمته أمام القادة المشاركين، قدم الرئيس عبد الفتاح السيسي رؤية مصرية متكاملة تقوم على أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر معالجة جذور الأزمات وتسوية النزاعات وفق القانون الدولي، وأكد الرئيس أن القضية الفلسطينية تظل جوهر الاستقرار في المنطقة، وأنه لا بديل عن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
كما شدد على ضرورة وقف أي إجراءات تؤدي إلى تقويض فرص السلام، ورفض توسيع العمليات التي تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين أو تغيير الواقع الديموغرافي للأراضي الفلسطينية. وفي الوقت ذاته، أكد الرئيس دعم مصر الكامل لأمن واستقرار دول الخليج العربي، مشدداً على أن أمن الدول العربية جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وهي رسالة تعكس ثوابت السياسة المصرية القائمة على التضامن العربي والحفاظ على استقرار المنطقة.
مصر تدافع عن القانون الدولي
لم تقتصر الرؤية المصرية على الملفات السياسية فقط، بل امتدت إلى القضايا الاستراتيجية المرتبطة بالمستقبل، حيث أكد الرئيس أهمية: احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، حصر السلاح في المؤسسات الشرعية، حماية الممرات البحرية الدولية وضمان حرية الملاحة، الالتزام بالقانون الدولي في إدارة الموارد العابرة للحدود، إقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط. وهي مواقف تعكس رؤية دولة مسؤولة تنظر إلى الأمن والاستقرار باعتبارهما مصلحة جماعية لجميع شعوب المنطقة.
إشادة دولية بالدور المصري
اللافت في القمة أن العديد من القادة المشاركين أشادوا بالدور المصري وجهود الرئيس السيسي في دعم الاستقرار الإقليمي. فقد أكدت رئيسة الوزراء الإيطالية أهمية الطرح المصري القائم على السلام والتسوية السياسية، مشيرة إلى أن تجربة السلام المصرية الإسرائيلية تمثل نموذجًا يمكن البناء عليه للوصول إلى سلام أوسع وأكثر استدامة. كما أشاد رئيس الوزراء الكندي بالدور الذي قامت به مصر في الجهود الرامية إلى وقف الحرب في غزة، مؤكدًا أهمية التحركات المصرية في دعم الاستقرار الإقليمي. هذه الإشادات لم تكن مجاملة دبلوماسية، بل اعترافًا دوليًا بحقيقة راسخة مفادها أن القاهرة ما زالت تمثل أحد أهم مراكز التوازن والاستقرار في الشرق الأوسط.
على هامش القمة.. مصر تعزز شراكاتها الدولية وتؤكد مكانتها العالمية
لم تقتصر مشاركة الرئيس السيسي على جلسات القمة، بل شهدت لقاءات مهمة مع المستشار الألماني ورئيسة المفوضية الأوروبية ورئيس المجلس الأوروبي، أكدت جميعها المكانة المتنامية لمصر كشريك استراتيجي موثوق لأوروبا، وتناولت المباحثات تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، والطاقة النظيفة، والتعليم والتدريب، إلى جانب التشاور بشأن الأزمات الإقليمية، خاصة القضية الفلسطينية والأوضاع في غزة ولبنان والسودان. كما أشاد المسؤولون الأوروبيون بالإصلاحات الاقتصادية المصرية، ودور مصر في مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، وجهودها لتحقيق الاستقرار الإقليمي، بما يعكس تقديراً دولياً متزايداً لمكانة القاهرة ودورها المحوري في المنطقة.
مصر.. دولة تصنع التوازن لا الأزمات
في عالم يموج بالصراعات والتوترات، تظل مصر نموذجاً للدولة التي تبحث عن الحلول لا الصدامات، وعن الاستقرار لا الفوضى، وعن التوازن لا الهيمنة. ولذلك لم يكن وجودها في قمة السبع مجرد مشاركة بروتوكولية، بل تأكيداً جديداً على أن القاهرة ما زالت تمثل أحد الأعمدة الرئيسية للاستقرار الإقليمي، وأن صوتها حاضر عندما تناقش قضايا الحرب والسلام ومستقبل الشرق الأوسط، فالدول الكبرى قد تمتلك القوة الاقتصادية والعسكرية، لكن صناعة الاستقرار تحتاج إلى دولة تمتلك الرؤية والخبرة والمصداقية، وهي مقومات رسختها مصر عبر تاريخها الطويل، وما زالت تؤكدها في كل محفل دولي.
وفى النهاية: حين تفتح أبواب القمم الدولية الكبرى، لا يدعى الجميع إلى طاولة القرار، بل تدعى الدول التي تملك وزناً حقيقياً وتأثيراً فعلياً. ومشاركة مصر في قمة السبع لم تكن استثناءً، بل امتداداً لدورها التاريخي ومكانتها الراسخة. فبينما تتغير التحالفات وتشتد الأزمات، تبقى حقيقة واحدة لا خلاف عليها: أن استقرار الشرق الأوسط يمر عبر القاهرة، وأن مصر كانت وستظل الرقم الأصعب في معادلة الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.