حين نتحدث عن بناء الأوطان، فإننا لا نتحدث عن حدود جغرافية أو مواقع وظيفية فحسب، بل نتحدث عن الإنسان الذي يحمل على عاتقه مسؤولية الخدمة والعطاء، ويجعل من موقعه أداة لتحقيق مصالح المواطنين وتلبية احتياجاتهم. وفي هذا الإطار تبرز الأستاذة حنان رفعت، رئيسة الوحدة المحلية بقرية جلبانة التابعة لمدينة القنطرة شرق بمحافظة الإسماعيلية، كنموذج مشرف للمرأة المصرية القيادية التي استطاعت أن تؤدي دورها في واحد من أكثر المجتمعات خصوصية وتميزًا، وهو المجتمع السيناوي والبدوي.
لقد عرفت سيناء عبر تاريخها الطويل بأنها أرض الرجال الشجعان والنساء العظيمات، أرض تحمل في طياتها قيم الكرامة والشهامة والنخوة والانتماء. ولذلك فإن العمل داخل هذا المجتمع يحتاج إلى شخصية تمتلك القدرة على التواصل مع الناس واحترام عاداتهم وتقاليدهم وفهم طبيعة حياتهم، وهو ما يجعل النجاح في مواقع المسؤولية هناك نجاحًا مضاعفًا بكل المقاييس.
ولم تكن الأستاذة حنان رفعت ابنة المجتمع البدوي في الأصل، لكنها استطاعت من خلال العمل الجاد والاحترام المتبادل والوجود المستمر بين المواطنين أن تكون جزءًا من المشهد اليومي لأهالي جلبانة، وأن تقدم نموذجًا يؤكد أن الانتماء الحقيقي لا يقاس بمحل الميلاد أو الجذور العائلية فقط، وإنما يقاس بقدر ما يقدمه الإنسان من خدمة وإخلاص للناس والوطن.
فالقيادة المحلية ليست منصبًا بروتوكوليًا، وليست مكتبًا مغلقًا أو توقيعًا على الأوراق، وإنما هي مسؤولية يومية تبدأ مع شروق الشمس ولا تنتهي بانتهاء ساعات العمل الرسمية. هي متابعة للمشروعات، واستماع لشكاوى المواطنين، وسعي لحل المشكلات، وحرص على تحسين مستوى الخدمات، ومواجهة للتحديات التي تفرضها طبيعة العمل التنفيذي على أرض الواقع.
وفي قرية جلبانة، التي تمثل إحدى القرى المهمة في نطاق مدينة القنطرة شرق، تتجسد هذه المسؤولية في صورة عمل متواصل يشارك فيه الجميع من أجل تحقيق التنمية وتحسين جودة الحياة للمواطنين. ومن هنا تظهر أهمية القيادة التي تستطيع أن تجمع بين الحزم في اتخاذ القرار والمرونة في التعامل مع الناس، وبين متابعة التفاصيل اليومية والنظر إلى الأهداف الكبرى للتنمية.
ولا يمكن الحديث عن أي نجاح إداري دون التوقف أمام فريق العمل الذي يعمل تحت مظلة هذه القيادة. فالعاملون بالوحدة المحلية في جلبانة يمثلون جنودًا مجهولين يؤدون واجبهم كل يوم في صمت وإخلاص. فهم جزء أصيل من أي إنجاز يتحقق، وشركاء حقيقيون في كل خطوة تهدف إلى خدمة المواطنين وتطوير مستوى الخدمات العامة.
إن الموظف الذي ينجز معاملة لمواطن، والعامل الذي يساهم في تحسين المرافق، والمسؤول الذي يتابع المشروعات والخدمات، جميعهم يشكلون حلقات مترابطة في منظومة واحدة هدفها النهائي هو خدمة الإنسان. والقيادة الناجحة هي التي تستطيع أن توحد هذه الجهود وأن تجعل من روح الفريق ثقافة يومية وليست مجرد شعارات.
ولعل من أجمل الصور التي يمكن أن نراها في مصر الحديثة هي صورة التلاحم الوطني بين أبناء المحافظات المختلفة وأبناء سيناء، حيث يذوب الفارق بين القادم من الوادي أو الدلتا وبين ابن القبيلة أو ابن الصحراء، ويصبح الجميع شركاء في هدف واحد هو خدمة الوطن ورفعته. فمصر لم تكن يومًا مجموعة من المناطق المنعزلة، بل كانت وستظل وطنًا واحدًا يجمع أبناءه تحت راية واحدة ومصير واحد.
إن المرأة المصرية أثبتت خلال العقود الماضية أنها قادرة على تحمل أصعب المسؤوليات، وأنها تستطيع النجاح في مختلف المواقع القيادية والتنفيذية، ليس بالشعارات أو المجاملات، وإنما بالكفاءة والعمل والإنجاز. وعندما تنجح امرأة في إدارة موقع خدمي داخل مجتمع له خصوصيته الثقافية والاجتماعية، فإن ذلك يعكس قدرة كبيرة على بناء جسور الثقة والتفاهم والاحترام المتبادل.
وفي ختام هذا الحديث عن المرأة القيادية في رحاب المجتمع السيناوي، يبقى الوفاء قيمة أصيلة لا تقل أهمية عن الإنجاز نفسه، فالمسؤوليات تتعاقب، والمناصب تتغير، لكن الأثر الطيب يبقى خالدًا في ذاكرة الناس، شاهداً على أصحاب العطاء الذين جعلوا من مواقعهم منابر لخدمة الوطن والمواطن.
ومن هذا المنطلق، لا يكتمل الحديث عن مسيرة العمل المحلي في قرية جلبانة دون توجيه التحية والتقدير إلى الأستاذة صباح البريدي المسعودي، ابنة سيناء الأصيلة، وإحدى الشخصيات النسائية البارزة من قبيلة المساعيد العريقة، التي قدمت نموذجًا مشرفًا للمرأة السيناوية القادرة على تحمل المسؤولية وخدمة مجتمعها بكل إخلاص وتفانٍ. فقد كانت خلال فترة قيادتها مثالًا للمسؤول القريب من الناس، الحريص على مصالحهم، المؤمن بأن خدمة المواطن هي جوهر أي منصب وأسمى أهدافه. وقد تركت بصمة طيبة وسيرة حسنة بين أبناء جلبانة، لتبقى نموذجًا يُحتذى في الإخلاص والانتماء والعمل الجاد.
كما أن الإنصاف يقتضي أن نوجه خالص الشكر والتقدير إلى الأستاذة حنان رفعت على ما تبذله من جهود متواصلة في خدمة أهالي جلبانة والمجتمع البدوي بها، وعلى ما تقدمه من عمل دؤوب ومتابعة مستمرة لكل ما يتعلق بشؤون المواطنين واحتياجاتهم. لقد أثبتت أن القيادة الحقيقية لا ترتبط بالأصول أو الانتماءات الجغرافية بقدر ما ترتبط بصدق النية والإخلاص في العمل والقدرة على كسب ثقة الناس واحترامهم، وهو ما جعلها تحظى بتقدير الكثيرين من أبناء القرية الذين يلمسون جهودها على أرض الواقع.
كما يستحق فريق العمل بالوحدة المحلية كل التحية والتقدير، فهم شركاء النجاح الحقيقيون، والجنود الذين يعملون في صمت من أجل إنجاز المهام وتقديم الخدمات وتحقيق الصالح العام. فكل إنجاز يتحقق على أرض الواقع هو ثمرة جهود جماعية تتكامل فيها الأدوار وتتحد فيها الإرادات من أجل رفعة الوطن وخدمة المواطن.
إن أجمل ما نراه اليوم في جلبانة هو هذا المشهد الوطني الراقي الذي يجمع بين أبناء سيناء وأبناء الوادي والدلتا تحت راية واحدة، يعملون معًا من أجل هدف واحد هو خدمة مصر. فلا فرق بين ابن القبيلة وابن المدينة عندما يكون الانتماء للوطن هو الجامع الأكبر، ولا فرق بين رجل وامرأة عندما يكون معيار التقييم هو الكفاءة والإخلاص والعطاء.
ستظل سيناء دائمًا أرض الوفاء والبطولة، وستظل جلبانة نموذجًا للتلاحم الوطني بين جميع أبناء مصر، وستبقى أسماء المخلصين الذين خدموا أهلها ووطنهم محل تقدير واحترام مهما تعاقبت السنوات. فالأوطان لا تُبنى بالكلمات وحدها، وإنما تُبنى بسواعد العاملين المخلصين، وبالقيادات التي تجعل من المسؤولية أمانة، ومن خدمة الناس رسالة، ومن حب الوطن فعلًا يُترجم إلى إنجازات على أرض الواقع.
تحية وفاء للأستاذة صباح البريدي المسعودي على ما قدمته من عطاء وجهد خلال فترة مسؤوليتها، وتحية تقدير للأستاذة حنان رفعت على ما تبذله من جهود حاضرة ومستمرة في خدمة أهالي جلبانة، وتحية اعتزاز لكل العاملين الذين يواصلون العمل من أجل مستقبل أفضل لقريتهم ووطنهم. فهؤلاء جميعًا يمثلون الصورة الحقيقية لمصر التي نحبها؛ مصر العمل والإخلاص والبناء، ومصر التي لا تتوقف فيها مسيرة العطاء ما دام هناك رجال ونساء يؤمنون بأن خدمة الناس شرف، وأن خدمة الوطن واجب لا ينتهي.