تزامن الخميس الماضى 18 يونيه مع الذكرى الــ (70) لجلاء الانجليز عن مصر بعد احتلال دام (74) عاماً لاقى المصريون خلالها من الظلم والعنت ما لاقوا ، وكما وجدت خلال تلك السنوات الطويلة حركة شعبية وجماهير مصرية عريضة نسقت مع الحركة الوطنية المستنيرة ، ووقفت ضد المحتل وإجراءاته وفضحت افعاله ، وكانت له بالمرصاد رافضة سياسة “النجلزة” التى كان المحتل يريد تحويل مصر إليها ، ورافعة شعار “التمصير” ؛ فظهر بنك مصر وشركاته ، وظهرت الغرف التجارية المصرية ، وظهر قانون “الشركات” عام 1947م ، فضلاً عن تاسيس الأحزاب بداية من “حزب الأمة” و”الحزب الوطنى ” 1907 م ، وتدشين “الجامعة الأهلية ” عام 1908م ، و” النادى الأهلى” أيضاً فى نفس العام ، و” الاذاعة المصرية ” عام 1934 م ، والفرق المسرحية المصرية بداية من 1935م ، والغاء الامتيازات الأجنبية 1937م …..وغيرها من الإجراءات التى وقفت ضد ” النجلزة” والسيطرة الأجنبية بشكل عام،
أقول فى الوقت الذى وجدت فيه الحركة الوطنية السالفة الذكر، وجدت كذلك فئة أو مجموعة (قليلة لا تمثل المصريين) تعاونت مع ذلك المحتل و” فرشت له أرضية ” ؛ إذ رأت فيه الملاذ الأمن وصاحب الحلول السحرية ” اللى هيطور مصر وهيجيبلها المدنية الحديثة”، وكانت تلك الفئة فى غالبيتها من الرأسماليين الذين عملوا لمصلحتهم الخاصة وليس لمصلحة مصر والمصريين .
وفى الاسبوع الماضى وتحديداً فى يوم السبت 13 يونيه تزامن هذا اليوم مع الذكرى الــ (120) لحادث مذبحة “دنشواى ” العنيفة التى حدثت فى قرية “دنشواى ” بالمنوفية فى 13 يونية عام 1906م ؛ وهى تلك الحادثة التى تطور فيها الأمر بين خمسة ضباط إنجليز وعدد من الفلاحين المصريين إلى مقتل عدد من المصريين بالنار بينهم امرأة، ووفاة ضابطٍ بضربة شمس، لكن رد الفعل الغاشم من الإنجليز وعلى رأسهم “اللورد كرومر” والطريقة المتعجرفة الشنيعة في تنفيذ الأحكام هو ما خلد تلك الحادثة ، التى كان لها أثراً بالغاً في تطور الحركة الوطنية ؛ إذ أظهرت فضائح الاحتلال بعد أن أحسن المصريون استغلالها في مواجهته .
ولما كانت “حادثة دنشواى” من حوادث التاريخ المصري التي لا ولن تنسى، لما أحدثته في تطور الحركة الوطنية المصرية ؛ إذ وضعت حداً لنهاية عهد الاستقرار والطمأنينة للاحتلال ، وبداية مرحلة جديدة من مراحل الكفاح الوطنى ، كما أنها أماطت اللثام أمام العالم عن وجه الاحتلال البريطاني القبيح، وكشفت في ذات الوقت عن معدن الفلاح المصري الأصيل فقد أصبحت ذكراها فى13 يونيه من كل عام هى ” العيد القومى لمحافظة المنوفية ” ، وأصبح شعار/ علم المحافظة عبارة عن برج حمام تلتهمه النيران وهما يرمزان إلى شهرة قرية دنشواي بالحمام إلى جانب احتراقه أثناء حادثة دنشواى .
لقد اضطرت الحكومة البريطانية تحت ضغط الحركة الوطنية المصرية إلى إقصاء المعتمد البريطانى اللورد ” كرومر” عن منصبه إنقاذًا لسمعتها، وتخفيفًا لهياج الشعور الوطني في مصر ؛ ذلك أنه إزاء التيار الوطني المتدفق؛ لم تجد الحكومة البريطانية بدًّا من أن تضحي بشخص اللورد على أن تضحي بمصالحها العامة؛ وإن كان كرومر وحكومته صرحا بأن استقالته لأسباب صحية .
ولم يكن ذلك الضغط من الحركة الوطنية إلا بداية أعقبها نضالاً واسعاً بل نضالات على مدار نصف قرن من الزمان من يونية 1906 م إلى يونية 1956م بخروج آخر جندى بريطانى من مصر طبقاً لمعاهدة الجلاء التى وقعت فى 19 أكتوبر 1954م بين مصر وبريطانيا ، والتى قضت بخروج آخر جندي بريطاني من مصر في 18يونيو 1956 من القاعدة البريطانية بقناة السويس ؛ ذلك أن قادة ثورة 23 يوليو 1952م قد بدأوا مسيرة المفاوضات ، التى انتهت بمباحثات ثنائية بين مصر وإنجلترا من أجل جلاء القوات البريطانية المرابطة في منطقة القناة ، والذى تم وقد على ثلاث مراحل ورفع العلم المصرى فى منطقه القناة يوم 18 يونيو 1956 لينتهى بذلك الاحتلال البريطانى لمصر. وهو اليوم الذي رفع فيه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر العلم المصري في بورسعيد، ليصبح هذا التاريخ العيد القومي للاحتفال بالجلاء.
هكذا ناضل اجدادنا فى الماضى ، وهانحن نجلس اليوم نتذكر نضالهم وتاريخهم بعد (120) عاماً على دنشواى ، و (70) عاماً على الجلاء ، لنتذكر نضالهم ووقوفهم الشامخ ضد المحتل ، وفى هذا السياق تبادر إلى ذهنى سؤال مفاده : هل فعلاً مضى عهد الاستعمار ؟ أو بمعنى آخر هل أصبحنا فى مأمن من الأخطار الخارجية التى عاشها اجدادنا هؤلاء ؟
إن كتابات الكثير من الكتاب والمثقفين فى مجالات ( الاعلام – السياسة – التاريخ – الاجتماع – الفلسفة …. وغيرها ) ؛ تؤكد تلك الكتابات على انتهاء موجات الاستعمار التقليدي، أو الاحتلال المباشر للدول ، وذلك عقب حركات التحرر التى بدأت في مطلع القرن العشرين، وتصاعدت بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918م)، ثم بلغت ذروتها بعد الحرب العالمية الثانية(1939 – 1945م ) .
لكن هؤلاء الكتاب يؤكدون فى الوقت ذاته على أن انماط الاحتلال قد تطورت وتحولت إلى أشكال أخرى ؛ ومنها الاستعمار الاقتصادى الذى يهيمن على مقدرات الدول النامية ويقيدها بالديون من خلال سيطرة الشركات الكبرى والمؤسسات المالية الدولية بهدف إلى إخضاع ثروات الدول الضعيفة لمصلحة الدول المهيمنة ،كما يؤكدون على أن من أدواته وآلياته فى تلك الهيمنة : سياسات العولمة ،والمساعدات المشروطة التى تخلق حالة من “التبعية المالية”، والاحتكار التكنولوجي الذى يعمل على التحكم في براءات الاختراع والتقنيات الحديثة لضمان بقاء الدول النامية مستهلكة لا منتجة ، وأخيراً استغلال الموارد والذى يتم بالهيمنة على الثروات الطبيعية للدول الضعيفة مقابل دعم الأنظمة الموالية .
ومن اشكال الاستعمار الحديثة كذلك الاستعمار الثقافي والسياسي، والذى يأتى عن طريق الترويج لنمط حياة وثقافة الدول المهيمنة، مما يؤدي إلى تهميش اللغات، والقيم، والتقاليد المحلية للدول المستهدفة ، ومنها أيضاً التوجيه الإعلامي والذى يتم عن طريق سيطرة الوكالات الإعلامية الكبرى على تدفق المعلومات، وتوجيه الرأي العام العالمي والمحلي لخدمة مصالح معينة ، ومنها أخيراً السيطرة السياسية غير المباشرة وصناعة التبعية السياسية ، والتى تتم من خلال التدخل في القرارات الداخلية، ودعم أنظمة حاكمة موالية للمستعمر لضمان تحقيق مصالحه الاستراتيجية، أو التدخل تحت غطاء التدخلات الإنسانية.أو توجيه سياسات بعض الدول النامية بما يخدم سياسات الدول الكبرى في المحافل الدولية.
وعلى ما تقدم ؛ نجد أن الاستعمار لم ينتهى ، ولم يمضى عهده وأنه لا يزال يبحث له عن أعوان ، لكننى فى النهاية أجد لزاماً على أن أؤكد أن المقصود من هذا الطرح هو أن نعرف جميعاً ، وخاصة الأجيال الناشئة : كم ناضل وكافح اجدادنا واخواننا، وأن نؤكد على أن المعركة لم تنتهى بعد ، وأن نؤكد أخيراً على أن علينا الاصطفاف خلف قيادتنا الواعية والحكيمة وقواتنا المسلحة الباسلة صمام الأمان الأول والأخير لوطننا العزيز الغالى .