حسين السمنودي
في مشهد إيماني مهيب، امتزجت فيه نفحات الذكر بعبق القرآن، وارتفعت فيه الأكف بالدعاء، احتفلت مديرية أوقاف الشرقية بليلة عاشوراء، تلك الليلة المباركة التي تحمل في طياتها معاني الطاعة، وتجدد في النفوس قيم الإيمان والصبر واليقين، لتؤكد من جديد أن بيوت الله ستظل منارات للهداية، ومنابع للوعي، وحصونًا للأخلاق والقيم.
وقد شهد الاحتفال حضورًا كريمًا تقدمه فضيلة الدكتور محمد إبراهيم حامد، مدير مديرية أوقاف الشرقية، والسيد العميد محمد سامي شهدة، عضو مجلس النواب، وفضيلة الدكتور السعيد محمد علي، أحد كبار علماء الأزهر الشريف، إلى جانب عدد من السادة مديري الإدارات الفرعية، وجمع غفير من أبناء المحافظة الذين حرصوا على المشاركة في هذه المناسبة المباركة، رغبةً في التزود من معين الإيمان، والاستماع إلى ما يرقق القلوب ويهذب النفوس.
واستُهلت فعاليات الاحتفال بتلاوة مباركة لآيات من الذكر الحكيم بصوت القارئ المتميز بالإذاعة والتلفزيون فضيلة الشيخ عزت السيد راشد، الذي صدح بصوته العذب في أرجاء المسجد، فغمرت السكينة القلوب، وخشعت الأرواح لكلام الله عز وجل، في أجواء روحانية أضفت على المناسبة مزيدًا من الجلال والوقار.
وألقى فضيلة الدكتور محمد إبراهيم حامد كلمة تناول فيها المكانة العظيمة ليوم عاشوراء في الإسلام، موضحًا ما يحمله هذا اليوم من فضائل عظيمة، وما يتضمنه من دروس تربوية وإيمانية، تدعو المسلم إلى شكر الله على نعمه، والاقتداء بالأنبياء في الثبات على الحق، والتمسك بالأخلاق الفاضلة، مؤكدًا أن المناسبات الدينية ليست مجرد احتفالات عابرة، وإنما هي محطات إيمانية يتجدد فيها العهد مع الله، وتُراجع فيها النفوس مسيرتها نحو الطاعة والاستقامة.
ثم جاءت كلمة فضيلة الدكتور السعيد محمد علي، التي اتسمت بالعلم والعمق، حيث استعرض الأحاديث النبوية الصحيحة الواردة في فضل يوم عاشوراء، وما ورد عن رسول الله ﷺ من الحث على صيامه، وبيان ما فيه من تكفير لذنوب سنة مضت بإذن الله تعالى، كما أتحف الحاضرين بمنحهم إجازة في الحديث، في لفتة علمية أصيلة تعكس امتداد السند العلمي الذي اشتهرت به المؤسسة الأزهرية عبر القرون، وتؤكد حرص العلماء على ربط الأجيال بميراث النبوة الصحيح.
ولم تقتصر الاحتفالية على الكلمات والمحاضرات، بل ازدانت بفقرة مميزة من الابتهالات الدينية التي قدمها اثنان من المواهب الواعدة بمديرية أوقاف الشرقية، وهما الشيخ أحمد عماد والشيخ السيد لطفي، حيث ارتفعت أصواتهما بأجمل الابتهالات التي لامست شغاف القلوب، فغمرت أجواء المسجد بمشاعر الخشوع والمحبة، وتفاعل معها الحضور في صورة جسدت جمال الإنشاد الديني حين يمتزج بالإخلاص وحسن الأداء.
لقد جاءت هذه الاحتفالية لتؤكد أن وزارة الأوقاف، من خلال مديرياتها المختلفة، لا تكتفي بأداء رسالتها الدعوية داخل المساجد، وإنما تعمل على ترسيخ الوعي الديني الصحيح، ومحاربة الأفكار المغلوطة، ونشر الوسطية والاعتدال، وإحياء المناسبات الإسلامية بصورة تليق بعظمة الدين الإسلامي، بعيدًا عن الغلو أو التفريط، وبما يعزز قيم الانتماء والمحبة والتسامح بين أبناء الوطن.
كما عكست هذه الليلة المباركة حجم التنسيق والتعاون بين المؤسسات الدينية والوطنية، في رسالة تؤكد أن بناء الإنسان يبدأ ببناء وعيه، وأن المجتمع الذي يعمر مساجده بالعلم والقرآن والذكر، هو مجتمع أكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر تمسكًا بقيمه الدينية والوطنية.
وستظل ليلة عاشوراء من الليالي التي تذكر المسلمين بعظمة رحمة الله، وبأن النصر يأتي بعد الصبر، وأن الفرج يولد من رحم الشدة، وهي معانٍ يحتاجها المجتمع في كل زمان. وما قدمته مديرية أوقاف الشرقية في هذه المناسبة المباركة يجسد نموذجًا مشرفًا للعمل الدعوي الواعي، الذي يجمع بين العلم والإيمان، وبين الكلمة الطيبة والأداء المتميز.
نسأل الله أن يديم على مصر أمنها واستقرارها، وأن يحفظ علماءها ودعاتها، وأن يبارك جهود وزارة الأوقاف والأزهر الشريف في نشر صحيح الدين، وأن يجعل بيوت الله عامرة دائمًا بالقرآن والذكر والعلم، وأن يعيد علينا هذه الأيام المباركة بالخير واليمن والبركات، في ظل وطن آمن، وشعب متماسك، وقيادة تسعى إلى ترسيخ قيم الإيمان والبناء والتنمية، إنه ولي ذلك والقادر عليه.