بقلم .. منال عمارة
كلنا نرى حرارة الجو شديدة الارتفاع هذه الأيام، وهي حرارة لم نعتدها بهذا الشكل منذ سنوات، بل تزداد قسوتها عامًا بعد عام. ولم تعد موجات الحر مجرد حديث عابر نتبادله في بداية الصيف، وإنما أصبحت واقعًا يفرض نفسه على تفاصيل حياتنا اليومية، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن الطبيعة لم تعد تحتمل المزيد من العبث.
ولسنوات طويلة ظن الإنسان أن موارد الأرض لا تنضب، وأن البيئة قادرة على إصلاح ما يفسده، حتى جاءت الحقيقة أكثر قسوة. فالاحتباس الحراري لم يعد مصطلحًا يتردد في المؤتمرات العلمية، بل أصبح واقعًا يراه العالم بأسره. فيضانات غير مسبوقة تجتاح مدنًا أوروبية، وحرائق تلتهم الغابات، وموجات جفاف تضرب مناطق كانت يومًا تنعم بالمياه، وارتفاعات قياسية في درجات الحرارة لم تعد تقتصر على منطقتنا العربية، بل امتدت إلى دول كانت تتميز بمناخها المعتدل. إنها رسالة تؤكد أن الأرض لا تفرق بين دولة متقدمة وأخرى نامية، وأن الخطر إذا حل بالبيئة فلن يستثني أحدًا.
ومن المؤسف أن كثيرين ما زالوا يعتقدون أن حماية البيئة مسؤولية الحكومات وحدها، بينما تبدأ القضية في الحقيقة من أبسط السلوكيات التي يمارسها كل فرد. فإلقاء المخلفات في الشارع، وإهدار المياه، والإفراط في استهلاك الكهرباء، وحرق المخلفات، وقطع الأشجار، جميعها تصرفات قد تبدو صغيرة، لكنها حين تتكرر ملايين المرات تتحول إلى أزمة يدفع المجتمع كله ثمنها.
إن علاقتنا بالبيئة ليست علاقة منفعة مؤقتة، بل علاقة أخلاقية وإنسانية تقوم على احترام حق الآخرين في العيش في بيئة آمنة وصحية. فمن غير المقبول أن نسعى إلى راحتنا على حساب صحة أطفالنا، أو أن نستهلك الموارد بلا حساب ثم نترك للأجيال القادمة أرضًا أقل قدرة على العطاء. فالإنسان المتحضر لا يقاس بما يملكه فقط، وإنما بما يحافظ عليه أيضًا.
وقد سبق الدين كل الدعوات الحديثة حين جعل الإنسان مستخلفًا في الأرض، وأمره بعمارتها لا بإفسادها، فقال الله تعالى: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾، كما نهى عن الإسراف بقوله: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾. فالحفاظ على البيئة ليس مجرد التزام قانوني، بل هو أمانة سنُسأل عنها، وسلوك يعكس صدق الإيمان وحسن الاستخلاف.
ومن هنا تبرز أهمية مفهوم التنمية المستدامة، الذي يقوم على تحقيق التنمية وتحسين جودة الحياة دون استنزاف الموارد أو الإضرار بحقوق الأجيال القادمة. فالتنمية لم تعد تُقاس بحجم المباني أو الطرق وحدها، وإنما بقدرتنا على تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة، من خلال ترشيد استهلاك الموارد، والتوسع في الطاقة النظيفة، والحفاظ على الرقعة الخضراء، وإعادة تدوير المخلفات، ونشر ثقافة الوعي البيئي بين جميع أفراد المجتمع.
إن حماية البيئة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا مسؤولية جهة بعينها، بل هي ثقافة تبدأ من المنزل، وتكبر في المدرسة، وتتجسد في الشارع ومكان العمل، حتى تصبح أسلوب حياة. وربما لا يستطيع كل فرد أن يغيّر العالم بمفرده، لكنه يستطيع أن يمنع جزءًا من الضرر، وأن يكون قدوة لغيره.
إن الأرض التي نعيش عليها ليست إرثًا ورثناه من آبائنا، بل أمانة استعرناها من أبنائنا. وما نزرعه اليوم من وعي، وما نحافظ عليه من موارد، وما نغرسه من أشجار، سيكون هو الفارق بين مستقبل يزدهر بالحياة، وآخر يدفع ثمن إهمالنا. وما زالت الفرصة قائمة… لكن الوقت لم يعد يحتمل مزيدًا من التأجيل.