بقلم منال عمارة
لم تعد كرة القدم مجرد منافسة داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت لغة عالمية وأداة مؤثرة من أدوات القوة الناعمة، تستخدمها الدول لتعزيز مكانتها، وترسيخ صورتها الذهنية، وبناء جسور التواصل مع الشعوب. ولهذا لم يعد نجاح المنتخبات والرياضيين شأنًا رياضيًا فحسب، بل أصبح جزءًا من رصيد الدولة السياسي والثقافي والإنساني.
وقد قدم المنتخب المصري في كأس العالم نموذجًا مشرفًا في الأداء والروح القتالية، ليؤكد أن تمثيل الوطن لا يقاس فقط بحصد البطولات، وإنما أيضًا بالالتزام والانضباط والقدرة على المنافسة بشرف. ومن هذا المنطلق، جاء استقبال السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي لأعضاء المنتخب رسالة سياسية ووطنية واضحة، مفادها أن الدولة تقدر أبناءها الذين يرفعون اسم مصر عاليًا، وأن بذل الجهد والإخلاص في تمثيل الوطن يحظيان بالتقدير، حتى وإن لم يتحقق اللقب.
هذه الرسائل لها أثر يتجاوز حدود الرياضة؛ فهي تعزز ثقة الشباب في قيمة الاجتهاد، وتغرس لديهم روح الانتماء، وتؤكد أن الدولة تنظر إلى الرياضة باعتبارها شريكًا في بناء الإنسان وصناعة الوعي الوطني.
إن الشعبية الجارفة لكرة القدم في مصر تمثل فرصة حقيقية لإطلاق مبادرات تعزز قيم المواطنة، والعمل الجماعي، واحترام الآخر، ونبذ التعصب، مع توظيف نجوم الرياضة كسفراء لهذه القيم داخل المجتمع وخارجه. كما أن البطولات الدولية تمنح مصر منصة لتقديم صورتها الحضارية، وإبراز قدراتها التنظيمية، وثقافتها، واستقرارها، وهو ما يعرف اليوم بـ”الدبلوماسية الرياضية”، التي أصبحت إحدى أدوات تعزيز الحضور الدولي للدول.
ولعل تجربة دولة قطر في تنظيم كأس العالم السابق قدمت مثالًا عربيًا لافتًا على قوة الرياضة في تغيير الصور الذهنية. فقد أبهرت قطر العالم بحسن التنظيم، ودقة الإدارة، والقدرة على تقديم بطولة استثنائية جمعت بين الحداثة والهوية الثقافية العربية، الأمر الذي أسهم في تصحيح كثير من التصورات المسبقة عن المنطقة، وأظهر للعالم قدرة الدول العربية على استضافة أكبر الأحداث العالمية بكفاءة عالية. ولم يقتصر الأمر على الإشادة الإعلامية والجماهيرية الواسعة، بل ظهرت في بعض التغطيات والمقارنات الدولية إشارات إلى أن تجربة قطر التنظيمية بدت أكثر تميزًا في بعض الجوانب من التجربة المرتبطة بمونديال الولايات المتحدة، رغم ما تمتلكه الأخيرة من إمكانات ضخمة وتطور تقني هائل. وهو ما يؤكد أن النجاح في الدبلوماسية الرياضية لا يعتمد على حجم الموارد وحده، بل على جودة الإدارة، والقدرة على تقديم تجربة إنسانية وثقافية تترك أثرًا إيجابيًا في وجدان الشعوب.
فالرهان الحقيقي لا يكون على الفوز بالمباريات فقط، وإنما على تحويل الشغف الجماهيري إلى طاقة إيجابية تُرسخ الانتماء، وتبني الإنسان، وتقدم للعالم صورة مصر التي تستحقها؛ دولة قوية بتاريخها، وشبابها، وقوتها الناعمة