عبدالرحيم عبدالباري
في زمن أصبحت فيه المعرفة الطبية تتطور بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد نجاح الأنظمة الصحية يقاس بعدد المستشفيات أو الأجهزة الحديثة فحسب، وإنما بقدرتها على توظيف التكنولوجيا في خدمة الإنسان، والوصول إلى المريض قبل أن يضطر هو إلى البحث عن الخدمة، ومن هذا المنطلق تمضي الدولة المصرية بخطى ثابتة نحو بناء منظومة صحية رقمية متكاملة، تستند إلى رؤية وطنية شاملة يقودها الأستاذ الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، واضعًا التحول الرقمي في مقدمة أدوات تطوير الرعاية الصحية، باعتباره الجسر الحقيقي الذي يربط بين الخبرة الطبية المتخصصة وحق المواطن في العلاج، ويؤسس لمرحلة جديدة تصبح فيها المسافات الجغرافية عاجزة عن الوقوف حائلًا بين المريض والطبيب.

وفي هذا السياق، عقد الدكتور خالد عبدالغفار اجتماعًا موسعًا مع ممثلي المجالس الطبية المتخصصة وشركتي «نوفارتس» و«تيلي ميد»، في خطوة تعكس إصرار وزارة الصحة والسكان على الانتقال بمنظومة المناظرات الطبية عن بُعد من مرحلة التطوير التدريجي إلى مرحلة أكثر شمولًا وتأثيرًا، حيث ناقش الاجتماع آليات تعزيز التعاون بين مختلف الأطراف، بما يحقق أعلى درجات الكفاءة في تقديم الخدمات الصحية التخصصية، ويحول المناظرات الطبية عن بُعد إلى أحد الأعمدة الرئيسية في اتخاذ القرار الطبي، وربط المؤسسات الصحية داخل منظومة واحدة تتبادل الخبرات والمعرفة بصورة لحظية، بما ينعكس بصورة مباشرة على جودة الرعاية المقدمة للمواطن.
وأكد الوزير خلال الاجتماع أن الدولة المصرية تنظر إلى الرعاية الصحية باعتبارها حقًا أصيلًا لكل مواطن، لا يجوز أن تحد منه الجغرافيا أو الإمكانات أو بعد المسافات، ولذلك جاء التوسع في خدمات الطب عن بُعد ليترجم هذه الفلسفة إلى واقع عملي، فمن خلال هذه المنظومة يستطيع المواطن في أقصى المحافظات الحدودية أو المناطق النائية أن يحصل على رأي نخبة من كبار الاستشاريين دون أن يتحمل عناء السفر أو تكاليف الانتقال، وهو ما يمثل خطوة متقدمة نحو ترسيخ مفهوم العدالة الصحية، وتعظيم الاستفادة من الكفاءات الطبية المصرية، وإعادة توزيع الخبرات بما يخدم المنظومة بأكملها، ويمنح كل مريض فرصة متساوية للحصول على أفضل خدمة ممكنة.
وأوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن الاجتماع لم يقتصر على مناقشة الجوانب التقنية فحسب، وإنما تناول رؤية متكاملة لتطوير المنظومة، تضمنت زيادة الطاقة التشغيلية، ورفع كفاءة البنية التحتية الرقمية، وتعزيز سرعة واستقرار شبكات الاتصال، وتقليل الإجراءات الورقية التي طالما استنزفت الوقت والجهد، إلى جانب تطوير أماكن انتظار المواطنين، وتفعيل منظومة علمية لقياس رضا المتعاملين مع الخدمة، فضلًا عن دعم نقل الخبرات بين كبار الأساتذة والاستشاريين والأطباء الشباب، بما يسهم في توحيد القرار الطبي، وخلق بيئة تعليمية مستمرة داخل المنظومة الصحية، تؤمن بأن تبادل المعرفة هو الطريق الأقصر لبناء أجيال أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
ولم يغفل الاجتماع البعد الإنساني الذي يمثل جوهر رسالة الطب، حيث تم استعراض مقترح التوسع في خدمات الرعاية الصحية المنزلية للحالات غير القادرة على الحركة، وعلى رأسها كبار السن وذوو الإعاقة، من خلال فرق طبية مؤهلة ومدعومة بأحدث الوسائل الرقمية، بما يتيح إجراء المناظرات الطبية داخل منازل المرضى، ويضمن استمرار المتابعة الدقيقة دون أن يتحمل المريض مشقة الانتقال، كما وجه الوزير بسرعة استكمال تجهيز الوحدات الطبية بالبنية التكنولوجية اللازمة، مؤكدًا أن نجاح أي مشروع رقمي لا يقاس بعدد الأجهزة التي يتم توفيرها، وإنما بمدى انعكاسها على تحسين حياة المواطن، وتسريع حصوله على خدمة صحية آمنة وعادلة وعالية الجودة.
وشهد الاجتماع حضور الدكتور محمد العقاد، مدير عام المجالس الطبية المتخصصة، والدكتور محمد أبو المجد، والدكتورة ريهام الملا، نائبي رئيس المجالس، والدكتور إيهاب عبدالعزيز، والدكتورة فاطمة أحمد، والدكتور تامر عيد، والأستاذ عادل الصاوي، مشرف وحدة المناظرات الطبية عن بُعد، حيث عكس هذا الحضور تناغمًا مؤسسيًا بين مختلف الجهات المعنية، ورسخ قناعة مشتركة بأن نجاح التحول الرقمي لا يتحقق بجهد منفرد، وإنما عبر شراكة حقيقية تجمع صانع القرار، والخبرات الطبية، والشركاء التقنيين، في منظومة واحدة هدفها الأول والأخير هو خدمة المواطن، والارتقاء بمستوى الرعاية الصحية في جميع أنحاء الجمهورية.
إن التحول الذي تشهده المنظومة الصحية المصرية اليوم لا يقتصر على تحديث الوسائل أو إدخال تقنيات جديدة، بل يعكس تحولًا في الفكر ذاته، فالدولة لم تعد تنتظر وصول المريض إلى الخدمة، وإنما تعمل على إيصال الخدمة إليه أينما كان، وهي فلسفة تؤكد أن التكنولوجيا عندما توضع في خدمة الإنسان تصبح وسيلة لتحقيق العدالة، وليست مجرد أداة للتطوير، ومع استمرار هذا النهج الطموح، تقترب مصر من بناء نموذج صحي حديث يواكب أفضل التجارب العالمية، ويؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من صحة الإنسان، وأن مستقبل الطب لن تصنعه الأجهزة وحدها، بل تصنعه الإرادة، والرؤية، والقدرة على تحويل الأفكار إلى واقع يلمسه كل مواطن على أرض هذا الوطن.