عبدالرحيم عبدالباري
في مسيرة بناء الدول، لا تُقاس الإنجازات بما يُشيد من مبانٍ فحسب، وإنما بما تمنحه تلك المشروعات من طمأنينة للإنسان، وما تخلقه من فرص لحياة أكثر كرامة وجودة، ومن هذا المنطلق تواصل الدولة المصرية بقيادة وزارة الصحة والسكان إعادة رسم خريطة الرعاية الصحية وفق رؤية تتجاوز الحاضر إلى المستقبل، رؤية تجعل من تطوير البنية التحتية الصحية استثمارًا في الإنسان قبل أن يكون استثمارًا في المنشآت، وتؤمن بأن المستشفى الحديث والعيادة المتطورة والطبيب المدعوم بالإمكانات هم جميعًا حلقات في منظومة هدفها الأول حماية المواطن، وترسيخ حقه في الحصول على خدمة صحية متقدمة أينما كان، دون تمييز أو مشقة، في ترجمة عملية لأهداف الجمهورية الجديدة ورؤية مصر 2030.
وفي هذا الإطار أعلنت وزارة الصحة والسكان الانتهاء من تنفيذ خمسة عشر مشروعًا تابعًا للهيئة العامة للتأمين الصحي خلال عام 2025، في خطوة تعكس استمرار العمل وفق استراتيجية واضحة تستهدف تحديث البنية التحتية للقطاع الصحي، ورفع كفاءة المنشآت الطبية، وتعزيز جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وهو ما يؤكد أن التطوير لم يعد مجرد استجابة لاحتياجات آنية، بل أصبح نهجًا مؤسسيًا يقوم على التخطيط طويل المدى، واستثمار الموارد بكفاءة، وتوفير بيئة علاجية قادرة على استيعاب التطور العلمي والتكنولوجي، بما يضمن تقديم خدمات صحية أكثر كفاءة وإنسانية لملايين المستفيدين من مظلة التأمين الصحي.
وأوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن المشروعات المنجزة شملت إنشاء عيادتين جديدتين، إلى جانب تحقيق تقدم ملموس في عدد من المشروعات الكبرى، من بينها مستشفى مبرة كفر الدوار في مرحلته الأولى، وعيادة الغردقة، ومستشفى جديد بسعة أربعمائة سرير على أرض نادي الشمس، بالإضافة إلى إنشاء مبنى جديد داخل سور مستشفى حلوان، وهي مشروعات لا تعكس فقط زيادة في عدد المنشآت، وإنما تكشف عن رؤية تستهدف إعادة توزيع الخدمات الصحية بصورة أكثر عدالة، بما يضمن جاهزية المؤسسات الطبية لاستقبال الأعداد المتزايدة من المرضى، وتقديم خدمات علاجية تتواكب مع المعايير الحديثة في الرعاية الصحية.
ولم تتوقف جهود الهيئة عند حدود المدن الكبرى، بل امتدت إلى المناطق الأكثر احتياجًا، حيث أولت اهتمامًا خاصًا بتعزيز الخدمات الصحية في المحافظات الحدودية والنائية، فتم افتتاح عيادتي النخيل وبئر العبد بمحافظة شمال سيناء، وعيادتي البلاط وباريس بمحافظة الوادي الجديد، مع استحداث تخصصات دقيقة تشمل علاج الأورام، وأمراض الدم، والروماتيزم، والمخ والأعصاب، وإنشاء لجنة متخصصة لقلب الكبار بعيادة النصر الشاملة، وهي خطوات تعكس فلسفة جديدة تقوم على تقريب الخدمة الطبية من المواطن، بحيث يصبح الحصول على الرعاية المتخصصة حقًا متاحًا داخل محافظته، دون الحاجة إلى السفر أو تحمل أعباء إضافية، وهو ما يعزز العدالة الصحية ويخفف من معاناة المرضى وأسرهم.
ومن جانبه أكد الدكتور أحمد مصطفى، رئيس الهيئة العامة للتأمين الصحي، أن مؤشرات الأداء خلال عام 2025 تعكس حجم الجهد المبذول داخل منظومة التأمين الصحي، حيث استقبلت العيادات نحو ثمانية وثلاثين مليون مواطن، فيما تعاملت أقسام الاستقبال والطوارئ مع مليون ونصف المليون حالة، وقدمت خدمات الرعاية المركزة والحضانات لأربعة وسبعين ألف حالة، كما أجرت الهيئة ثلاثمائة وثمانية عشر ألف عملية جراحية، وستة وستين ألف جلسة علاج كيماوي، إلى جانب تنفيذ ثمانية ملايين فحص معملي، وأكثر من مليون وسبعمائة ألف فحص بالأشعة، وهي أرقام لا تعبر عن إحصاءات جامدة، وإنما تجسد ملايين القصص الإنسانية التي وجدت الرعاية في الوقت المناسب، واستعادت معها الأمل في الحياة.
وامتدت الإنجازات إلى الخدمات الطبية فائقة التخصص، حيث أجرت الهيئة ألفًا ومائتين وأربعًا وسبعين عملية زراعة قوقعة، وواحدًا وثمانين عملية زراعة كبد، واثنتين وثمانين عملية زراعة كلى، وثمانمائة وستًا وخمسين عملية زراعة نخاع، فضلًا عن خمسة وستين ألفًا وثلاثمائة وإحدى عشرة قسطرة قلبية، وسبعة آلاف عملية قلب مفتوح، وأكثر من مليونين وسبعمائة وستة وثلاثين ألف جلسة غسيل كلوي، مع توفير أكثر من ستة وسبعين ألف جهاز تعويضي، كما شهد العام إجراء عدد من التدخلات الطبية الدقيقة مثل عمليات TEVAR وTAVI وEVAR، إضافة إلى تنفيذ مائة وأربعة وثمانين ألفًا وتسعمائة وإحدى وعشرين عملية جراحية ضمن المبادرة الرئاسية لإنهاء قوائم الانتظار، وهو ما يعكس تطورًا لافتًا في قدرة المنظومة على تقديم خدمات علاجية متقدمة داخل مصر وفق أعلى المستويات.
وفي مجال المبادرات الرئاسية، واصلت الهيئة العامة للتأمين الصحي دورها المحوري في دعم جهود الدولة للارتقاء بالصحة العامة، حيث حققت نسبة إنجاز بلغت 89.6% من مستهدف مبادرة القضاء على فيروس «سي» بين طلاب المدارس، كما سجلت نسبة 85.1% في مبادرة الكشف المبكر عن أمراض السمنة والأنيميا والتقزم، وهي نتائج تؤكد أن الرؤية الصحية المصرية لم تعد تقتصر على علاج المرض بعد وقوعه، وإنما أصبحت تعتمد على الوقاية والكشف المبكر، باعتبارهما الطريق الأقصر لبناء مجتمع أكثر صحة وإنتاجية، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
وفي الختام، فإن ما تحقق داخل الهيئة العامة للتأمين الصحي خلال عام 2025 لا يمثل مجرد حصيلة من المشروعات أو الأرقام، بل يعكس إرادة دولة اختارت أن تجعل الإنسان محور التنمية، وأن تبني منظومة صحية تستند إلى العلم والتخطيط والاستدامة، فكل مشروع جديد هو نافذة أمل، وكل تخصص يُضاف هو خطوة نحو إنقاذ حياة، وكل رقم يتحقق هو قصة نجاح تكتبها سواعد المخلصين، لتؤكد أن الاستثمار الحقيقي لا يكون في الحجر، وإنما في الإنسان، وأن أوطان المستقبل هي تلك التي تجعل من صحة مواطنيها الركيزة الأولى لكل تنمية، والضمانة الأهم لكل نهضة.