تابعتُ منذ الساعات الأولى من صباح اليوم مراسم زيارة واستقبال فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي في جمهورية تنزانيا المتحدة، تلك المشاهد التي لم تكن مجرد لقطات بروتوكولية، بل حملت في تفاصيلها دلالات عميقة على متانة العلاقات بين البلدين. توقفت كثيراً أمام لحظات الوصول إلى دار السلام، حيث الحفاوة الصادقة والترحيب الذي عكس مشاعر تقدير حقيقية. ومع متابعتي لكلمة السيد الرئيس في المؤتمر الصحفي المشترك، ثم كلمته أمام مجتمع رجال الأعمال، كان شعور الفخر يتصاعد بداخلي، ليس فقط لمكانة مصر، بل لما تعكسه هذه الزيارة من رؤية واضحة نحو شراكة إفريقية قائمة على التعاون والتنمية.
تأتي زيارة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى جمهورية تنزانيا المتحدة في توقيت بالغ الأهمية، لتعكس عمق التوجه المصري نحو تعزيز الانخراط الإيجابي في القارة الإفريقية، وترسيخ مفهوم الشراكة القائمة على المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة. وقد جسدت هذه الزيارة، منذ لحظة الوصول إلى مطار جوليوس نيريري الدولي بالعاصمة دار السلام، خصوصية العلاقات بين البلدين وما تحمله من جذور تاريخية وروابط أخوية ممتدة.
الاستقبال الرسمي الذي حظي به السيد الرئيس، ولقاؤه مع الرئيسة الدكتورة سامية صلوحو حسن، لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل عكس إرادة سياسية واضحة لدى الجانبين للارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستويات أكثر تقدماً. وقد أكدت المباحثات الثنائية والموسعة أن القاهرة ودار السلام تمتلكان رؤية مشتركة لتعزيز التعاون في مختلف المجالات، بما يخدم مصالح الشعبين ويدعم مسيرة التنمية في القارة الإفريقية.
وخلال المؤتمر الصحفي المشترك، برزت ملامح هذه الرؤية بوضوح، حيث شدد السيد الرئيس على أن العلاقات المصرية التنزانية تستند إلى تاريخ طويل من التعاون والتفاعل الثقافي، وأن المرحلة الحالية تمثل فرصة حقيقية لإحداث نقلة نوعية، خاصة في مجالات الاقتصاد والاستثمار. ولم تظل هذه الرؤية حبيسة الكلمات، بل تُرجمت إلى خطوات عملية من خلال توقيع مذكرتي تفاهم في مجالات النقل والكهرباء والطاقة المتجددة، بما يعكس جدية الطرفين في تحويل الطموحات إلى واقع ملموس.
وتكتسب هذه الزيارة أهمية مضاعفة في ظل النجاح الكبير الذي حققته الشركات المصرية في تنفيذ مشروع سد “جوليوس نيريري”، الذي بات نموذجاً ناجحاً للتعاون الإفريقي القائم على تبادل الخبرات وبناء القدرات. وهو ما يؤكد قدرة مصر على تقديم نموذج تنموي متكامل يسهم في دعم الدول الإفريقية الشقيقة.
كما لم تقتصر المباحثات على الشأن الثنائي، بل امتدت لتشمل قضايا إقليمية ودولية ذات اهتمام مشترك، وفي مقدمتها قضايا حوض النيل، حيث أكد السيد الرئيس أهمية التعاون القائم على التفاهم وروح الشراكة، بما يحفظ مصالح جميع الأطراف ويعزز الاستقرار الإقليمي. كذلك تناولت المناقشات تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي والبحر الأحمر، في إطار رؤية مشتركة لدعم العمل الإفريقي.
ومن أبرز محطات الزيارة، مشاركة السيد الرئيس في الجلسة الختامية لمنتدى رجال الأعمال المصري التنزاني، والتي عكست انتقال العلاقات من مرحلة التفاهم السياسي إلى آفاق التكامل الاقتصادي. فقد أكد سيادته أن القطاع الخاص هو المحرك الأساسي للاستثمار، مع ضرورة إزالة التحديات أمام المشروعات المشتركة وتحويل الفرص إلى شراكات حقيقية.
وقد أظهر المنتدى فرصاً واسعة للتعاون في مجالات الزراعة، والثروة الحيوانية، والبنية التحتية، والموانئ، والربط البحري والسككي، إلى جانب التكنولوجيا والعلوم، وهي مجالات تمثل الأساس لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز التكامل الإفريقي.
إن زيارة الرئيس السيسي إلى تنزانيا تؤكد أن التحرك المصري في إفريقيا لم يعد مجرد توجه سياسي، بل أصبح استراتيجية متكاملة تقوم على الحضور الفاعل وبناء الشراكات الحقيقية. كما تعكس نموذجاً عملياً لقدرة الإرادة السياسية، حين تقترن بالتخطيط والرؤية، على تحقيق نتائج ملموسة.