بقلم / عارف الفرا ومنى الشلقامى
عادت مصر من دور الستة عشر، لكن النقاش الحقيقي لم يبدأ إلا الآن.
أتلانتا، 7 يوليو. لساعة كاملة بدت معلقة خارج الزمن، كانت مصر متقدمة على أبطال العالم. تقدم «الفراعنة» على الأرجنتين، وتصدى حارس مرماهم ببسالة لركلة جزاء نفذها ليونيل ميسي، وشعر بلد يضم 107 ملايين نسمة بأنه أقرب ما يكون إلى ربع نهائي كأس العالم في تاريخه كله. ثم، وكما تقضي الآلة الصارمة لكرة القدم في مستواها الأعلى، سجلت الأرجنتين هدفين وفازت 3–2، في عودة ستُصنَّف بين أعظم الانتفاضات في تاريخ البطولة.
عاد الفريق إلى أرض الوطن. غير أن ما خرجت به مصر من هذا المونديال — من مال واهتمام عالمي وجدل محتدم حول قيمته الحقيقية — لم يبدأ حسابه إلا الآن. تطرح هذه المقالة ادعاءً بسيطًا وإن بدا استفزازيًا: شهر مصر في أمريكا الشمالية كان أكثر بكثير من حدث رياضي؛ كان حملة إعلانية عالية المخاطر استمرت شهرًا كاملًا لبلد يخوض برنامجًا اقتصاديًا ضخمًا، وطفرة سياحية تاريخية، وبحثًا طويل الأمد عن هوية دولية جديدة. والسؤال المطروح على صانعي السياسات والرأي العام على السواء ليس ما إذا كانت مصر قد كسبت، بل: كم من هذا المكسب حقيقي، وكم منه مجرد قصة مؤثرة، ومن الذي يقتنص القيمة في نهاية المطاف؟
الإنجاز: 92 عامًا في شهر واحد
لكي نفهم أهمية ما جرى، علينا أن ننظر إلى سنوات الجدب. في ثلاث مشاركات سابقة في كأس العالم — أعوام 1934 و1990 و2018 — لم تحقق مصر فوزًا واحدًا. وفي 2026 أعادت كتابة تاريخها: فوز 3–1 على نيوزيلندا هو الأول لها في البطولة على الإطلاق، ثم تجاوز أستراليا بركلات الترجيح في دور الاثنين والثلاثين، بعد تعادلين قتاليين مع بلجيكا وإيران.
أول دولة أفريقية شاركت في كأس العالم انتظرت 92 عامًا لبلوغ الأدوار الإقصائية، وجاء ذلك في ما كان بمثابة الظهور الأخير لمحمد صلاح في المونديال. إن إنهاء البطولة ضمن آخر 16 منتخبًا من أصل 48 — أي ضمن أفضل ثمانية في المئة من بين 211 اتحادًا عضوًا في «فيفا» — مع أول فارق أهداف إيجابي في تاريخها، لم يكن إنجازًا هينًا. ولقائمة من 26 لاعبًا تمثل 107 ملايين إنسان، كانت لحظة نادرة من التلاحم الوطني: مقعد واحد في تلك القائمة لكل أربعة ملايين مصري.
ثمن الشغف
إذا كانت كرة القدم حلمًا، فإن الحساب هو صباح اليوم التالي. المال المباشر هو الأسهل عدًّا: تحصل مصر على جوائز «فيفا» المالية، وبلوغ دور الستة عشر يدرّ أكثر بكثير من الخروج من دور المجموعات. وإلى جانب الجوائز الرسمية، تتقاضى الأندية المصرية نحو 11 ألف دولار عن كل لاعب في اليوم مقابل إتاحة لاعبيها للبطولة. أضف إلى ذلك الارتفاع المرتقب في القيمة السوقية للاعبين، وعوائد الإعلانات للعلامات التجارية المصرية، وشهرًا من الإنفاق الاستهلاكي المتصاعد في المقاهي وأمام الشاشات في أنحاء البلاد.
غير أن الأمانة تقتضي إدراك الحجم. توقعت «فيفا» ومنظمة التجارة العالمية في البداية أن تضيف البطولة ما يصل إلى 40.9 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي وأن تدعم نحو 824 ألف وظيفة. لكن خبراء الاقتصاد المستقلين قرأوا الحدث بتواضع أشد: قدّر بنك «ناتيكسيس» أثر النمو بما بين 0.1 و0.2 في المئة من الناتج المحلي للمكسيك المضيفة، وبنحو 0.05 في المئة فقط للولايات المتحدة، فيما وصفت أبحاث «أليانز» الحدث بأنه «دفعة طلب قصيرة ومكثفة» لا محرك نمو دائمًا. وإذا كان هذا حال الدول المضيفة التي تتحمل الفاتورة، فإن الأثر الاقتصادي المباشر على دولة ضيفة مثل مصر أصغر من ذلك.
حكم العقود
لكي نرسّخ تفاؤلنا في أرض الواقع، علينا الرجوع إلى الشواهد التاريخية. خمسة وأربعون عامًا من البيانات تتيح لنا تجريد المسألة من العاطفة والنظر في الأرقام المجردة. فحين نجمع متواليات النمو الاقتصادي لكل دولة استضافت البطولة من 1970 إلى 2022، يبرز اتجاه باعث على التأمل: كما يوضح الجدول أدناه، فإن «قفزة الاستضافة» — أي الفرق في نمو الناتج المحلي بين عام البطولة والعام السابق له — تبلغ في المتوسط سالب 0.87 في المئة.
مضيفو كأس العالم: متوالية النمو الاقتصادي الممتدة (1970–2022)
العام الدولة المضيفة متوالية النمو (قبل / عام الاستضافة / بعد عام / بعد عامين) فرق النمو (%)
1970

تؤكد البيانات أن الاستضافة كثيرًا ما تكون استثمارًا رديئًا، إذ تشهد دول مضيفة عديدة تباطؤًا في النمو بسبب الإنفاق الرأسمالي الثقيل على بنية تحتية قد لا تدرّ ناتجًا فوريًا قابلًا للقياس.
والواقع أن سجل الاستضافة متسق إلى حد لافت: فبمقياس الناتج المحلي الإجمالي، كأس العالم استثمار خاسر. أنفقت جنوب أفريقيا نحو 4–7 مليارات دولار في 2010 وجنت ما يقدَّر بـ400–500 مليون دولار من سياح المونديال. وأنفقت البرازيل نحو 15 مليار دولار في 2014 ولم تستعد سوى جزء يسير عبر إنفاق السياح، وساهم التناقض مع خدمات عامة تعاني نقص التمويل في تأجيج أكبر احتجاجات تشهدها البلاد منذ عقود. وأنفقت قطر أكثر من 220 مليار دولار على نسخة 2022 وحصدت نحو 1.56 مليار دولار من الإيرادات المباشرة، بينما جنت «فيفا» نفسها 7.5 مليار دولار (تحليلات صحفية لبيانات «ستاتيستا» و«فوربس» و«فيفا»، 2022–2026). وقد تبدو أرقام النمو في أعوام الاستضافة مغرية — 3.8 في المئة لألمانيا في 2006 و4.2 في المئة لقطر في 2022 — لكن الاقتصاديين يعزونها إلى الدورة الاقتصادية العالمية وأسعار الطاقة، لا إلى كرة القدم.
أما الفوز باللقب، فرغم بريقه، يحمل عبرته التحذيرية الخاصة. فبينما تشير دراسة نُشرت عام 2024 في «نشرة أكسفورد للاقتصاد والإحصاء» إلى ارتفاع وجيز يناهز نصف نقطة مئوية على مدى ربعين من العام، فإن الأثر بعيد المدى سرعان ما يتبدد. وكما يبين الجدول أدناه، نادرًا ما يكون «المكسب» الاقتصادي محركًا مستدامًا للنمو، إذ يحوم متوسط فرق النمو — بمقارنة العام التالي للتتويج بالعام السابق له — حول 0.17+ في المئة فقط.
الفائزون بكأس العالم: متوالية النمو الاقتصادي (1970–2022)
الفائز تاريخ المباراة النهائية متوالية النمو (%، قبل / عام الفوز / بعد) فرق النمو (%)

توضح هذه الجداول أنه من منظور اقتصادي كلي بحت، كثيرًا ما تكون «دفعة الاستضافة» أو «قفزة التتويج» عصية على الرصد، سواء في حينها أو في السنوات التالية.
السياحة: الطفرة التي سبقت الحدث
كان توقيت مصر استثنائيًا. دخلت البلاد البطولة وهي تحطم الأرقام القياسية أصلًا: نحو 19 مليون زائر في 2025 بزيادة 21 في المئة، مقابل نمو عالمي لا يتجاوز 5 في المئة تقريبًا. ومع 6.1 مليون وافد إضافي في الأشهر الأربعة الأولى من 2026، تستهدف الحكومة بقوة 21 مليون زائر هذا العام و30 مليونًا بحلول 2030.
ولهذا تحديدًا يجب التعامل بحذر مع مزاعم «الأثر السياحي للمونديال». فالطفرة الحالية بدأت قبل البطولة بوقت طويل، مدفوعة بافتتاح المتحف المصري الكبير، والأسعار التنافسية للزائرين الأجانب، وتوسع شبكة الرحلات الجوية. الاختبار الحقيقي سيأتي حين نحلل بيانات الوافدين للفترة من يونيو إلى سبتمبر. لقد منحت تلك المباريات الخمس مصر نحو ثماني ساعات ونصف الساعة من البث العالمي لا تستطيع أي وزارة شراءها مهما أنفقت. أما هل اشترى ذلك البث شيئًا قابلًا للقياس، فسؤال ستجيب عنه البيانات قريبًا.
اللاعب بوصفه أصلًا استثماريًا
لم تكن تلك الساعات الثماني والنصف من البث العالمي مجرد مكسب للفريق؛ بل كانت فرصة تسويقية هائلة عالية الأثر. ولتحويل هذا الضوء العابر إلى محرك اقتصادي دائم، على وزارة السياحة والآثار أن تتجاوز الإعلان التقليدي السلبي.
ينبغي أن يكون الهدف مقاربة تضع «نمط الحياة أولًا»، وتجعل القصة الإنسانية للاعبينا — كفاحهم وجذورهم ومسيراتهم الشخصية — في قلب العلامة الوطنية. فبتحويل هؤلاء الرياضيين إلى سفراء دائمين وأصيلين للبلاد، تستطيع مصر أن تقدم ما هو أكثر من وجهة سياحية: تجربة معيشة. وفي المحصلة، السبيل إلى البناء على هذا النجاح هو الكفّ عن ملاحقة «الأحداث الكبرى» الباهظة أحادية المرة، والشروع في بناء أجندة دائمة من المهرجانات الرياضية والثقافية تُبقي العالم عائدًا إلى مصر طويلًا بعد صافرة النهاية.
بناء آلة لا لحظة
ثمة مكاسب تستعصي على القياس. كل مباراة وضعت علم مصر ونشيدها أمام مئات الملايين من المشاهدين. ووداع صلاح للبطولة منح البلاد خيطًا سرديًا لا يُشترى بالمال. لكن ماذا بعد صلاح؟ ذلك سؤال في السياسات العامة لا في كرة القدم.
وللإجابة، فلننظر غربًا إلى المغرب. فالمغرب مخضرم شارك في سبع نسخ من كأس العالم وبلغ نصف النهائي عام 2022؛ وفي 2026 ظل آخر منتخب أفريقي صامدًا، ولم يسقط إلا أمام فرنسا 2–0 في ربع النهائي. يقوم نجاحه على منظومة صارمة قابلة للتكرار: استثمار اتحادي متواصل، وبنية تحتية بمواصفات عالمية، وبرنامج استراتيجي لاستقطاب مواهب الشتات جعل 24 من لاعبي قائمته الـ26 يلعبون في أندية النخبة بالخارج.
وتؤكد نتائج المغرب الاقتصادية جدوى هذا النهج المؤسسي. فبعد إنجاز 2022، ارتفع نمو ناتجه المحلي من 1.8 في المئة عام 2022 إلى 4.9 في المئة عام 2025، بينما قفز عدد الوافدين الدوليين من 11 مليونًا إلى نحو 20 مليونًا في الفترة نفسها، متجاوزًا مصر في ذلك العام ومتصدرًا قائمة الدول الأكثر استقبالًا للزوار في القارة.
لقد حققت مصر أفضل نتيجة في تاريخها بقوة جيل استثنائي واحد. أما المغرب فبنى آلة تفرّخ أبطال المستقبل. وما إذا كان يوليو 2026 سيغدو نقطة تحول دائمة لمصر أم مجرد عرض ألعاب نارية جميل وعابر، فأمر لن يحسمه ما جرى على أرض الملعب في أتلانتا، بل ما ستفعله القاهرة بهذا الزخم. فإذا تعاملت مصر مع ما جرى لا بوصفه نجاحًا رياضيًا فحسب، بل مخططًا لانضباط مؤسسي، فقد يصبح «عائد صلاح» حجر الأساس لفصل جديد ودائم في القصة الاقتصادية للأمة.
ملاحظات / ملحق

استضافة كأس العالم — أبرز المتوسطات الإحصائية:
متوسط فرق النمو (نمو العام التالي للاستضافة ناقص نمو العام السابق لها): سالب 0.41 في المئة. ومتوسط «قفزة الاستضافة» (نمو عام الاستضافة ناقص نمو العام السابق لها): سالب 0.41 في المئة. ومتوسط «قفزة الاستضافة» (نمو عام الاستضافة ناقص نمو العام السابق له): سالب 0.87 في المئة.
وتقدم هذه النتائج رؤيتين رئيسيتين. الأولى، «أسطورة قفزة الاستضافة»: يشير المتوسط السالب (0.87- في المئة) إلى أن استضافة كأس العالم لا تولّد في حد ذاتها قفزة قصيرة الأمد في نمو الناتج خلال عام البطولة؛ بل إن كثيرًا من الدول المضيفة تشهد تباطؤًا في النمو خلال عام الحدث، غالبًا بسبب الإنفاق الرأسمالي الضخم في سنوات الإعداد، وهو إنفاق قد لا يترجم إلى زيادات فورية قابلة للقياس في الناتج بحلول المباراة النهائية.
والثانية، «التباطؤ اللاحق»: يدل فرق النمو السالب (0.41- في المئة) على أن النمو في العام التالي للبطولة يكون في المتوسط أدنى قليلًا منه في العام السابق لها، وهو ما قد يعكس فتور نشاط البناء والسياحة بعد الحدث بعدما بلغ ذروته في مرحلتي الإعداد والتنظيم.
وتوحي هذه البيانات بأنه من منظور اقتصادي كلي بحت، كثيرًا ما تكون «دفعة الاستضافة» عصية على الرصد، سواء خلال عام المونديال أو بعده بعام. بل إن مدّ الأفق الزمني إلى ما بعد العام الأول يُظهر غالبًا أن مرحلة «ما بعد الحدث» ليست دفعة مستدامة بقدر ما هي عودة البلاد إلى خط اتجاهها الاقتصادي الطبيعي، أو اصطدامها بصدمات خارجية (مثل ركود البرازيل في 2015–2016، أو أداء ألمانيا وروسيا خلال الصدمات المالية والجيوسياسية العالمية).
(1) بالنسبة إلى نسخة 2002 التي استضافتها اليابان وكوريا الجنوبية معًا، اعتُمدت أرقام النمو الخاصة باليابان (لا كوريا) لكونها صاحبة الناتج المحلي الأكبر.