كتبت ..أماني تامر
ليست ثورة الثالث والعشرين من يوليو مجرد تاريخ نتوقف عنده كل عام، ولا مجرد حدث سياسي غيّر نظام الحكم، بل هي لحظة فارقة أعادت تشكيل الوعي الوطني للمصريين، ورسخت فكرة أن قوة الدولة تبدأ من قوة شعبها، وأن الاستقلال الحقيقي لا يكتمل إلا ببناء الإنسان، وتعزيز شعوره بالكرامة والانتماء والمسؤولية.
جاءت الثورة في وقت كانت فيه مصر تواجه تحديات جسيمة على المستويين السياسي والاجتماعي، فحملت مشروعًا وطنيًا طموحًا استهدف بناء دولة أكثر عدالة، وتوسيع فرص التعليم، ودعم الطبقة المتوسطة والبسيطة، وتعزيز استقلال القرار الوطني، وهو ما أسهم في ترسيخ مكانة مصر إقليميًا ودوليًا خلال تلك المرحلة.
لكن القيمة الحقيقية لثورة يوليو لا تكمن فقط فيما أنجزته من مشروعات أو إصلاحات، وإنما في الأثر الذي تركته في وجدان المصريين، خاصة الشباب. فقد نشأت أجيال تربت على أن الوطن ليس حقًا نتمتع به فقط، بل مسؤولية نتحملها جميعًا، وأن قيمة الإنسان تقاس بما يقدمه لوطنه، لا بما يحصل عليه منه.
لقد تغيرت صور المسؤولية الوطنية عبر العقود. ففي الماضي ارتبطت بالدفاع عن الأرض وبناء مؤسسات الدولة، أما اليوم فقد أصبحت أكثر اتساعًا، لتشمل الإتقان في العمل، والتميز في العلم، واحترام القانون، والمشاركة المجتمعية، والحفاظ على مقدرات الدولة، والوعي بمخاطر الشائعات وحروب المعلومات التي تستهدف العقول قبل الحدود.
ومن هنا، فإن استدعاء مبادئ ثورة يوليو في هذا التوقيت لا يعني العودة إلى الماضي، بل استلهام قيمها التي لا تزال صالحة لكل زمان؛ قيم الاعتماد على الذات، والإيمان بقدرة المصري على الإنجاز، والعمل من أجل المصلحة العامة، وتقديم الوطن على المصالح الفردية.
إن الشباب اليوم هم الامتداد الطبيعي لكل جيل حمل مسؤولية بناء هذا الوطن. وبينما تتواصل مسيرة التنمية وتواجه الدولة تحديات متجددة، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الشباب، وقدرتهم على الجمع بين الانتماء والإبداع، وبين الاعتزاز بالتاريخ وصناعة المستقبل.
وفي ذكرى ثورة يوليو المجيدة، فإن أفضل احتفاء بها ليس في ترديد الشعارات، وإنما في تحويل مبادئها إلى سلوك يومي؛ بالعمل بإخلاص، واحترام الاختلاف، والمشاركة الإيجابية، والإيمان بأن بناء الوطن مسؤولية مستمرة تتجدد مع كل جيل.
فالأمم العظيمة لا زيحفظها تاريخها وحده، وإنما يحفظها أبناء يدركون أن المجد الذي صنعه الآباء لا يكتمل إلا بجهد الأبناء، وأن الوطن سيظل دائمًا أكبر من الأشخاص، وأبقى من كل الظروف.