حسين السمنودي
حين نقرأ قول الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، قد تمر أعيننا على حرف الباء مرورًا سريعًا، لكنه عند أهل العلم واللغة والتدبر ليس مجرد حرف جر، بل هو بداية تحمل من الأسرار والمعاني ما يجعل القلب يقف أمامها طويلًا، ويوقن أن القرآن الكريم لم تُوضع فيه كلمة ولا حرف إلا بحكمة يعلمها الله، ثم يفتح على عباده منها بقدر ما يشاء.
لقد بدأ القرآن الكريم بالبسملة، وبدأت البسملة بحرف الباء، وكأن أول رسالة يتلقاها المؤمن هي: لا تبدأ بنفسك، ولكن ابدأ بالله.
قال علماء العربية إن الباء في البسملة هي باء الاستعانة، أي: أبدأ مستعينًا بالله، فلا قوة لي إلا به، ولا حول لي إلا بعونه، ولا توفيق إلا بإرادته. فكل عمل يخلو من الاستعانة بالله يظل ناقص البركة، ضعيف الأثر، مهما بلغت فيه قدرات الإنسان.
وقال فريق من أهل العلم: إنها باء المصاحبة، أي: أكون مع اسم الله في كل خطواتي، فلا أفارقه في سرائي ولا ضرائي، في عملي وعبادتي، وفي بيتي وطريقي، وفي أفراحي وأحزاني.
ومن جميل ما ذكره المفسرون أن الله سبحانه لم يجعل بداية القرآن بفعل ظاهر، فلم يقل: “أقرأ باسم الله”، أو “أبدأ باسم الله”، وإنما حذف الفعل، ليبقى المعنى عامًا يشمل كل عمل صالح؛ فكأن الله يقول لعباده: اقرأوا باسمي، واعملوا باسمي، واكتبوا باسمي، وسافروا باسمي، وتعلموا باسمي، واربوا أبناءكم باسمي، واجعلوا حياتكم كلها تبدأ باسمي.
ولفت العلماء إلى أن الباء حرف متصل بما بعده، لا ينفصل عنه، وكأنها تعلم المؤمن ألا ينفصل قلبه عن ربه، وأن يبقى موصولًا بالله في كل أحواله، فلا يعتمد على قوته، ولا على ماله، ولا على منصبه، وإنما يعتمد أولًا وأخيرًا على ربه سبحانه.
ومن اللطائف الإيمانية التي يذكرها بعض أهل التدبر أن الباء تُنطق مكسورة، وفي ذلك إشارة رقيقة إلى أن طريق العزة يبدأ بانكسار القلب بين يدي الله، وأن من تواضع لله رفعه، ومن افتقر إلى مولاه أغناه، ومن صدق في اللجوء إليه كفاه.
ولم يبدأ القرآن بحرف الألف، مع أنها أول الحروف الهجائية، وإنما بدأ بالباء، ليعلم الإنسان أن البداية الحقيقية ليست بالحروف، وإنما بذكر رب الحروف، ورب السموات والأرض، ورب كل شيء.
والبسملة ليست مجرد كلمات تتردد على اللسان، بل هي منهج حياة. فمن قال: بسم الله قبل طعامه بورك له فيه، ومن قالها قبل سفره استودع نفسه لله، ومن قالها قبل عمله استمد العون من ربه، ومن جعلها شعارًا لحياته عاش في معية الله، ونال من بركاته ما لا يبلغه بجهده وحده.
ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب افتتاح الأمور المهمة بذكر الله، لأن ذكره سبحانه يبارك الأعمال، ويطهر النيات، ويملأ القلوب سكينة، ويغلق أبواب الشيطان.
إن الإعجاز الحقيقي في هذا الحرف ليس في صغر حجمه، وإنما في عظمة ما يحمله من معانٍ لا تنتهي، حتى وقف أمامه المفسرون واللغويون والبلاغيون والمتدبرون عبر القرون، وكلما ازداد الناس علمًا، ازدادوا إدراكًا لبعض ما فيه من لطائف، ليظل القرآن الكريم بحرًا لا تنقضي عجائبه.
ومن هنا ندرك أن المؤمن لا يقرأ البسملة عادةً، وإنما يقرأها عقيدةً، ويعيشها سلوكًا، ويستشعرها يقينًا، فهي إعلان دائم بأن البداية بالله، والقوة بالله، والتوفيق بالله، والنهاية إلى الله.
وفي نهاية هذا التأمل، نقف خاشعين أمام حقيقة كبرى، وهي أن رب العزة تبارك وتعالى لا يخلق شيئًا عبثًا، ولا يقدر أمرًا سدى، ولا يضع حرفًا في كتابه إلا لحكمة، ولا يخلق مخلوقًا إلا لغاية، ولا يجري حدثًا إلا بعلم وعدل ورحمة. قال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾، وقال جل شأنه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
وكلما تقدم الإنسان في العلم، واتسعت مداركه، وأمعن النظر في آيات الله في الكون وفي القرآن، ازداد يقينًا بأن وراء كل خلق حكمة، ووراء كل تقدير سرًا، وأن ما يخفى اليوم قد يكشفه الله غدًا، وما تعجز عنه عقول عصر قد تدرك بعض جوانبه عقول عصر آخر. فآيات الله ليست محدودة بزمان، ولا مقيدة بمكان، بل تتجدد دلالاتها، ويزداد إشراقها، ويظهر من وجوه إعجازها ما يملأ القلوب إيمانًا، دون أن تنفد عجائبها أو تنقضي أسرارها.
إن رب العالمين هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، فلا ذرة في السماوات ولا في الأرض تتحرك إلا بإذنه، ولا ورقة تسقط إلا بعلمه، ولا حرف في كتابه إلا وهو موضوع بميزان الحكيم الخبير. وإذا كان البشر يقفون مبهورين أمام اكتشاف علمي جديد، فإن المؤمن يعلم أن الاكتشاف لم يخلق الحقيقة، وإنما كشف جانبًا من الحقيقة التي أودعها الله في خلقه منذ الأزل.
فلنقترب من القرآن بقلوب المتدبرين، لا بعيون العابرين، ولنعلم أن كل حرف فيه نور، وكل كلمة هداية، وكل آية بحر لا ينضب، وأن أسراره لا تنتهي عند تفسير، ولا تقف عند جيل، لأن كلامه كلام الخالق، وليس كلام المخلوق. وسيظل القرآن يكشف للبشرية في كل عصر من وجوه الهداية والبيان ما يثبت أنه الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه.
فسبحان من أحكم الخلق، وأتقن الأمر، وأودع في كل شيء آية، وجعل من أصغر الحروف أبوابًا إلى أعظم المعاني، ليبقى الإنسان ما دام حيًا يتعلم، ويتدبر، ويزداد خشوعًا ويقينًا بأن الله أكبر من أن تُدرك حكمته كاملة، وأعظم من أن تُحيط العقول بجلال صنعه، وأن الأيام مهما تعاقبت، والقرون مهما مضت، سيبقى كل كشف جديد شاهدًا على عظمة الخالق، لا على حداثة الحقيقة؛ فالحقيقة كانت دائمًا عند الله، وإنما نحن الذين نتأخر في اكتشاف بعض آثارها. ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.
ونسأل الله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وأن يرزقنا تدبر آياته، والوقوف عند أسراره، والعمل بأحكامه، حتى نلقاه وهو راضٍ عنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ولعل أعظم ما يختم به هذا الحديث أن التأمل في الباء من البسملة ليس وقوفًا عند حرف، وإنما وقوف أمام عظمة المتكلم سبحانه وتعالى. فكلما ازداد الإنسان علمًا، ازداد يقينًا بأن هذا الكتاب العظيم لا تنقضي عجائبه، وأن كل حرف فيه موضوع بميزان الحكيم الخبير، وأن ما نعلمه اليوم ليس إلا قطرة من بحر علم الله الذي لا ساحل له.
وستظل الباء، على صغر حجمها، ميدانًا للتدبر والتأمل عبر الأجيال، يستخرج منها العلماء والمفسرون واللغويون وأهل البلاغة من اللطائف والأسرار ما يفتح الله به عليهم، لتبقى شاهدًا على أن القرآن الكريم كتاب يتجدد عطاؤه، ولا ينفد معينه، ولا تتوقف إشراقاته عند زمن أو حضارة أو اكتشاف.
وليس معنى ذلك أن كل تأمل يُعد إعجازًا قطعيًا، وإنما المعنى أن أبواب التدبر في كلام الله لا تُغلق، وأن وجوه بيانه لا تنتهي، وأن كل عصر يقف أمام القرآن مبهورًا بما يكشف الله له من حكمه وأسراره، مصداقًا لقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه في وصف القرآن: “لا تنقضي عجائبه.”
وهكذا يبقى الإعجاز في الباء حاضرًا في كل زمان ومكان؛ ليس لأنها حرف فحسب، ولكن لأنها مفتاح أول آية افتتح الله بها كتابه الكريم، ولأنها تحمل في معانيها الاستعانة، والافتقار، والتبرك، والاعتماد على الله، وهي معانٍ لا يحدها عصر، ولا يحيط بها زمان، بل تبقى متجددة ما بقي الإنسان يقرأ القرآن ويتدبره.
فسبحان من جعل في حرف واحد من كتابه آفاقًا لا تنتهي من البيان، وأنوارًا لا تنطفئ من الهداية، وأسرارًا تتجدد كلما تجددت الحياة، ليبقى القرآن الكريم معجزة الله الخالدة، ودليله الباقي إلى قيام الساعة، يزداد إشراقًا كلما تقدم الزمان، لا لأن القرآن يكتسب إعجازًا جديدًا، بل لأن البشر يكتشفون مع مرور الأيام شيئًا من عظمة ما أودعه الله فيه منذ أن أنزله على قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
فالقرآن سيظل بحرًا لا تُدرك شواطئه، وستظل الباء في البسملة تهمس لكل قلب مؤمن: ابدأ بالله، وعش بالله، واستعن بالله، وتوكل على الله، فكل بداية مع الله بركة، وكل طريق إليه هداية، وكل نهاية معه فوز ونجاة. قال تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.