حسين السمنودي
في ليلة إيمانية عامرة بالقرآن الكريم، والسيرة العطرة، والابتهالات والمدائح النبوية، أُقيمت مساء اليوم احتفالية مميزة بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف بالمسجد الجامع، وسط أجواء روحانية عكست مكانة هذه المناسبة العظيمة في قلوب المسلمين، وأكدت أن الاحتفال بمولد سيدنا محمد ﷺ ليس مجرد مناسبة عابرة، وإنما فرصة متجددة لاستحضار سيرته العطرة، والتأمل في أخلاقه ورحمته وعدله وحلمه، والاقتداء بهديه القويم.
وأقيمت الاحتفالية تحت رعاية الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، وبعناية فضيلة الدكتور محمد إبراهيم حامد، وكيل الوزارة ومدير مديرية أوقاف الشرقية، وبمتابعة خاصة من الدكتور ناصر عبد الأعلى، مدير الدعوة بمديرية أوقاف الشرقية، في إطار ما تبذله وزارة الأوقاف من جهود لنشر صحيح الدين، وتعميق الوعي الديني، وربط الناس بالسيرة النبوية الشريفة من خلال الكلمة الهادفة والموعظة الحسنة والقرآن الكريم.
وجاءت الأمسية بمشاركة نخبة من علماء وأئمة وقراء ومبتهلي الأوقاف، حيث تفضل فضيلة الدكتور عثمان أحمد، كبير مفتشي إدارة أوقاف الصالحية الجديدة والقرين، بالمشاركة متحدثًا، كما شارك فضيلة الدكتور محمد العيسوي قارئًا، وفضيلة الدكتور أحمد العدوي متحدثا، وفضيلة الشيخ أحمد الصادق متحدثًا، وفضيلة الشيخ محمد صلاح، إمام وخطيب ومدرس مسجد الرحمن الرحيم بمجاورة 12 مقدما الحضور والذي أدار الحفلة بعناية فائقة ، إلى جانب فضيلة الشيخ محمد إبراهيم مبتهلًا، وبحضور فضيلة الشيخ عمر الجعان قارئ القرآن الكريم، وفضيلة الشيخ محمد العرايشي.هذا بجانب رواد المسجد الكرام .
وكان لكل صوت من أصوات هذه الليلة دوره في صناعة حالة إيمانية متكاملة؛ فالقارئ يفتح للقلوب أبواب الخشوع بآيات الله، والمتحدث يضيء للعقول صفحات من السيرة النبوية، والمبتهل يحمل الأرواح إلى رحاب المحبة والرجاء، لتجتمع الكلمة والقرآن والابتهال في مشهد يليق بذكرى مولد خير خلق الله سيدنا محمد ﷺ.
وفي كلمته، تناول فضيلة الدكتور عثمان أحمد، كبير مفتشي إدارة أوقاف الصالحية الجديدة والقرين، مكانة النبي الكريم ﷺ في حياة المسلمين، مؤكدًا أن أعظم ما يمكن أن نتعلمه من ذكرى مولده هو أن المحبة الحقيقية للنبي لا تكون بالكلمات وحدها، وإنما باتباع سنته والاقتداء بأخلاقه والتعامل مع الناس بما أمر به من رحمة وصدق وأمانة وعفو وإحسان. وأشار إلى أن النبي ﷺ جاء برسالة صنعت الإنسان قبل أن تصنع المجتمع، وربّت النفوس على مراقبة الله، وحفظ الحقوق، وصيانة الدماء والأعراض والأموال، ونشر السلام بين الناس.
وأكد أن السيرة النبوية ليست صفحات تُقرأ في المناسبات فقط، بل مدرسة متكاملة ينبغي أن تدخل إلى تفاصيل حياتنا اليومية، في البيت والعمل والشارع والمعاملة، وأن يكون المسلم صورة طيبة للأخلاق التي جاء بها رسول الله ﷺ.
أما فضيلة الدكتور محمد العيسوي، فجاءت مشاركته القرآنية لتضفي على الاحتفالية جلالًا خاصًا، حيث كان القرآن الكريم حاضرًا بقوة باعتباره النور الذي تهتدي به القلوب، والكتاب الذي عاش النبي ﷺ في هديه وعلّم الأمة كيف تتدبره وتعمل به. وكانت التلاوة مناسبة لاستحضار قول الله تعالى: «وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ»، وهي الآية التي تختصر جانبًا عظيمًا من شخصية المصطفى ﷺ، الذي كان القرآن الكريم منهجًا لحياته وسلوكه ورحمته بالناس.
وجاءت مشاركة فضيلة الدكتور أحمد العدوي لتؤكد أن الحديث عن المولد النبوي يجب أن يتجاوز مظاهر الاحتفال إلى جوهر الرسالة المحمدية، فالرسول ﷺ لم يكن نبي الرحمة بالكلمات فقط، وإنما جسّد الرحمة في مواقفه كلها، مع الصغير والكبير، والقريب والبعيد، والصديق والمخالف. ومن هنا فإن إحياء ذكرى مولده ينبغي أن يكون فرصة لمراجعة النفس، وتصحيح السلوك، وإحياء معاني الصدق والأمانة وصلة الرحم والإحسان إلى الناس.
وتحدث فضيلة الشيخ أحمد الصادق عن السيرة النبوية بوصفها مدرسة للأخلاق والقيم، موضحًا أن المجتمعات لا تستقيم بالقوانين وحدها، وإنما تحتاج إلى ضمير حي وأخلاق راسخة. وإذا كان المسلم يريد أن يعبر عن حبه للنبي ﷺ، فعليه أن يجعل من أخلاق المصطفى منهجًا في حياته؛ فلا يؤذي، ولا يغدر، ولا يظلم، ولا يخون، ولا يعتدي على حقوق الآخرين، بل يكون رحيمًا صادقًا أمينًا نافعًا لمن حوله.
وكان لفضيلة الشيخ محمد صلاح، إمام وخطيب ومدرس مسجد الرحمن الرحيم بمجاورة 12، حضور مميز في هذه الأمسية، حيث أكد أن الاحتفال بالمولد النبوي ينبغي أن يتحول إلى طاقة إيمانية تدفع الإنسان إلى العمل الصالح، وأن أعظم هدية يمكن أن يقدمها المسلم لنبيه ﷺ هي أن يقتدي به في أخلاقه وسلوكه. فالرسول الكريم علّم أمته أن القوة ليست في البطش، وأن الغنى ليس في كثرة المال، وأن المكانة الحقيقية للإنسان فيما يحمله من أخلاق ورحمة وصدق وإخلاص.
كما أشار إلى أن البيوت في حاجة إلى استعادة الدفء النبوي، وأن الآباء والأمهات مطالبون بتعريف أبنائهم بسيرة الرسول ﷺ بأسلوب محبب، حتى ينشأ جيل يعرف نبيه ويحب سنته ويعتز بقيم الإسلام، بعيدًا عن الغلو والتشدد، وبعيدًا كذلك عن التفريط الذي يفرغ الدين من جوهره الأخلاقي والإنساني.
ثم جاءت فقرة الابتهال مع فضيلة الشيخ محمد إبراهيم، فكان للابتهال حضوره الخاص الذي نقل الحاضرين إلى أجواء روحانية مفعمة بمحبة النبي ﷺ، حيث تتلاقى الكلمات العطرة مع الأصوات الخاشعة، وتتحول المناسبة إلى لحظة وجدانية يستشعر فيها الحاضرون عظمة النبي الكريم ومكانته في قلوب المسلمين.
وكان حضور فضيلة الشيخ عمر الجعان، قارئ القرآن الكريم، إضافة مهمة إلى هذه الليلة المباركة، ليبقى كتاب الله حاضرًا في قلب الاحتفال، مؤكدًا أن القرآن والسنة هما أساس الهداية، وأن سيرة النبي ﷺ لا يمكن فصلها عن كتاب الله الذي نزل عليه هداية للناس ورحمة للعالمين.
كما أسهم حضور فضيلة الشيخ محمد العرايشي في إثراء هذه المناسبة الدينية، التي جمعت أهل الدعوة والقرآن والابتهال في مشهد يعكس روح الفريق الواحد، ويؤكد أن رسالة المسجد تتجاوز إقامة الشعائر إلى بناء الإنسان، ونشر القيم، وتقوية روابط المجتمع، وتقديم الخطاب الديني الرشيد الذي يجمع ولا يفرق، ويعمر القلوب ولا يملؤها خصومة وكراهية.
ولم تكن هذه الاحتفالية مجرد برنامج ديني ينتهي بانتهاء فقراته، وإنما كانت رسالة واضحة بأن المساجد ستظل منارات للعلم والقرآن والوعي، وأن ذكرى مولد النبي ﷺ يمكن أن تكون مناسبة لاستعادة المعاني الجميلة التي يحتاج إليها المجتمع في كل وقت: الرحمة بدلًا من القسوة، والتسامح بدلًا من الخصومة، والصدق بدلًا من الكذب، والإحسان بدلًا من الإساءة، والتعاون بدلًا من التناحر.
وتأتي هذه الاحتفالية في إطار الجهود التي تبذلها وزارة الأوقاف بقيادة الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، من أجل تقديم خطاب ديني مستنير يرسخ الفهم الصحيح للدين، ويؤكد أن المسجد ليس مكانًا للعبادة فقط، وإنما مؤسسة لبناء الإنسان وترسيخ القيم، وأن العلماء والأئمة عليهم مسؤولية كبيرة في توصيل رسالة الإسلام بأسلوب يجمع بين العلم والحكمة والرحمة.
كما تعكس المتابعة والعناية التي يوليها فضيلة الدكتور محمد إبراهيم حامد، وكيل الوزارة ومدير مديرية أوقاف الشرقية، للفعاليات الدينية بالمحافظة، حرص المديرية على أن تكون المناسبات الدينية الكبرى محطات حقيقية للتوعية والتثقيف، وأن تقدم المساجد برامج تجمع بين جمال التلاوة وقوة الكلمة وروعة الابتهال.
ويأتي ذلك أيضًا في ظل المتابعة الخاصة من الدكتور ناصر عبد الأعلى، مدير الدعوة بالشرقية، الذي يحرص على دعم الأنشطة الدعوية والفعاليات الدينية، بما يحقق أهداف وزارة الأوقاف في الوصول إلى الناس بالكلمة الطيبة، وإحياء المناسبات الدينية بأسلوب يليق بمكانتها، ويؤكد دور أئمة المساجد في خدمة المجتمع.
لقد كان المسجد الجامع الكبير في هذه الليلة على موعد مع نفحات المولد النبوي الشريف؛ قرآن يتلى، وكلمات تُذكّر بسيرة المصطفى، وأصوات تُنشد في محبته، وعلماء وأئمة يحملون رسالة الدعوة، وحضور يستمع ويتأمل، لتكتمل صورة ليلة من ليالي الخير التي يتجدد فيها الحديث عن سيدنا محمد ﷺ، أعظم من حمل رسالة الرحمة إلى العالمين.
وإذا كان مولد النبي ﷺ قد وقع قبل قرون، فإن رسالته لا تزال حاضرة في حياتنا، لأن الأخلاق التي جاء بها لا يحدها زمان ولا مكان. نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى الصدق الذي عاشه، والأمانة التي عُرف بها، والرحمة التي ملأت حياته، والتسامح الذي مارسه، والعدل الذي أقامه، والتواضع الذي كان عنوانًا لشخصيته.
ومن هنا فإن أجمل ما يمكن أن تخرج به هذه الليلة ليس مجرد صورة جميلة من الاحتفال، ولا مجرد كلمات نسمعها ثم تنتهي، وإنما عهد مع النفس بأن يكون حب النبي ﷺ سلوكًا يوميًا؛ أن نرحم من حولنا، وأن نصل أرحامنا، وأن نكرم والدينا، وأن نحفظ ألسنتنا، وأن نصون حقوق الناس، وأن نكون نافعين لمجتمعنا، وأن نجعل أخلاق المصطفى ﷺ حاضرة في بيوتنا وشوارعنا وأعمالنا.
وفي ختام هذه الأمسية الإيمانية، بقيت رسالة المولد النبوي واضحة في وجدان الحاضرين: إن ذكرى ميلاد المصطفى ﷺ دعوة إلى تجديد المحبة، والمحبة الصادقة لا تكتمل إلا بالاتباع، والاتباع لا يكون إلا بالأخلاق والعمل الصالح.
فطوبى لليلة اجتمع فيها القرآن مع السيرة، واجتمعت الكلمة مع الابتهال، واجتمع العلماء والقراء والمبتهلون على محبة سيدنا رسول الله ﷺ، وطوبى لمسجد ظل منارة للذكر والعلم، وطوبى لكل قلب حضر ليستمع ويتعلم ويعود إلى حياته حاملًا شيئًا من نور هذه السيرة العطرة.
وكل عام ومصر وأهلها بخير وأمن وسلام، وكل عام والأمة الإسلامية تستعيد من سيرة نبيها الكريم ما يعينها على بناء الإنسان، وإعلاء قيمة الأخلاق، ونشر الرحمة، وترسيخ السلام، سائلين الله أن يرزقنا صدق محبة سيدنا محمد ﷺ، وحسن الاقتداء به، وأن يجمعنا وإياه في مستقر رحمته.