المقترح الذي طرحه حسن هيكل تحت عنوان «المقايضة الكبرى»، والذي يتضمن إعادة ترتيب ملكية بعض أصول الدولة ونقلها بين مؤسساتها في مقابل تسوية مديونيات، يستحق أن يُناقش بعقل اقتصادي هادئ، لا بعاطفة ولا بتخوين.
ولكي نكون واضحين..
الهدوء في مناقشة الفكرة لا يعني قبولها.
والاختلاف مع المقترح هنا ليس اختلافًا مع شخص صاحبه، ولا تشكيكًا في دوافعه، وإنما اختلاف مع منطق إدخال قناة السويس أصلًا في هذه المعادلة.
فالقناة ليست أصلًا خاملًا تبحث الدولة عن مشترٍ له، وليست شركة خاسرة تحتاج إلى إنقاذ، وليست أرضًا غير مستغلة يمكن مبادلتها بدين، وليست ورقة مالية على شاشات البورصة.
قناة السويس، يا حضرات، مرفق استراتيجي مصري قائم، ومصدر مهم للعملة الأجنبية، وأحد أهم عناصر القوة الاقتصادية والجغرافية للدولة المصرية.
والسؤال البديهي الآن..
إذا كانت قناة السويس أصلًا منتجًا للدخل، فلماذا نضعها في معادلة إطفاء الدين، بدلًا من أن نضع الدين نفسه تحت مشرط الإصلاح؟
هذه ليست مسألة عاطفية، هي مسألة اقتصادية في المقام الأول.
فإذا نقلت الدولة أصلًا من مؤسسة حكومية إلى مؤسسة حكومية أخرى، ثم نقلت في المقابل مديونية من مؤسسة إلى أخرى، فإننا نكون أمام إعادة ترتيب للملكية والالتزامات، لا أمام اختراع أموال جديدة، يبقى عملنا إيه؟!
يا جماعة الخير.. ليس كل ما يجوز حسابه بالأرقام، يجوز التعامل معه بمنطق الأرقام وحدها.
هذه هي القاعدة التي يجب ألا تغيب عن أي نقاش يتعلق بأصول الدولة المصرية، خصوصًا عندما يصل الحديث إلى قناة السويس.
وللأمانة نقول..
السيد حسن هيكل، رحم الله والده، لم يطرح بيع قناة السويس لجهة أجنبية، وإنما تحدث عن نقل ملكيتها من جهة حكومية إلى جهة حكومية أخرى، ورأى أن ذلك لا يمس السيادة من الناحية القانونية. واستند في طرحه إلى التسوية التي تمت أخيرًا لمديونيات الهيئة الوطنية للإعلام لدى بنك الاستثمار القومي، وهنا يبدأ الاختلاف.
التسوية التي جرت مع الهيئة الوطنية للإعلام كانت معالجة لحالة مالية ومؤسسية محددة، فقد أُغلقت مديونية ونُقلت ملكية 44 أصلًا غير مستغل، مع التأكيد على عدم المساس بالأصول المدرة للعائد للهيئة.
وهذا فارق جوهري.
فالدولة عندما تتعامل مع أرض غير مستغلة أو أصل متعثر أو تشابك مالي تاريخي بين مؤسساتها، فإنها تعيد ترتيب أوراقها داخل البيت الواحد، بهدف فك التشابكات وتحسين المراكز المالية.
أما قناة السويس، فهي ليست أصلًا خاملًا ينتظر من يستغله، ولا شركة متعثرة تحتاج إلى إعادة هيكلة، ولا قطعة أرض يمكن نقل ملكيتها من دفتر إلى دفتر.
إنها مرفق استراتيجي قائم بذاته، يدر عائدًا، ويمثل أحد أهم ركائز الاقتصاد المصري وموقع مصر الجغرافي والاستراتيجي.
ولهذا جاء رد الحكومة واضحًا وحاسمًا: قناة السويس ليست محلًا لأي مقترح من هذا النوع، ولا توجد أي توجهات لدى الحكومة لمقايضتها أو رهنها أو نقل ملكيتها مقابل مديونيات.
والأهم أن الحكومة لم تكتفِ برفض إدخال القناة في المقايضة، وإنما أوضحت نقطة اقتصادية شديدة الأهمية، وهي أن مجرد نقل الأصول والمديونيات بين جهات الدولة لا يخفض إجمالي الالتزامات على مستوى الدولة بذاته.
صحيح، نحن في حاجة إلى أفكار جريئة لعلاج الدين العام، لكن الجرأة الاقتصادية لا تعني المساس بكل ما نملك، وإنما تعني أن نعرف أي الأصول يمكن إعادة هيكلتها، وأيها يجب تعظيم عائدها، وأيها لا ينبغي أن يدخل أصلًا في معادلة الدين.
حفظ الله مصر.