عبدالرحيم عبدالباري
لم تعد جودة الرعاية الصحية تُقاس فقط بعدد الأسرة أو الأجهزة الطبية أو معدلات تقديم الخدمة، وإنما أصبحت تجربة المريض نفسها جزءًا أساسيًا من مفهوم الجودة، ومن هنا تأتي أهمية إطلاق الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، معايير اعتماد المنشآت الصحية صديقة الأم والطفل، باعتبارها خطوة جديدة لإعادة صياغة مفهوم الرعاية المقدمة للأمهات والأطفال داخل المنشآت الصحية، بحيث لا تقتصر الخدمة على العلاج والتدخل الطبي، وإنما تمتد إلى توفير بيئة آمنة ومحترمة ومتكاملة تراعي احتياجات الأم والطفل الجسدية والنفسية، وتستند إلى أحدث الممارسات المبنية على الأدلة العلمية، بما يجعل رحلة الرعاية أكثر أمانًا منذ متابعة الحمل وحتى ما بعد الولادة.

وجاء إطلاق المعايير بحضور الدكتور أحمد طه، رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، والدكتورة عبلة الألفي، نائب وزير الصحة والسكان، والدكتورة مها الرباط، وزيرة الصحة الأسبق، والدكتور شريف باشا، رئيس لجنة الصحة بمجلس النواب، والدكتور هشام الششتاوي، رئيس لجنة الصحة بمجلس الشيوخ، والدكتور مجدي مرشد، وكيل لجنة الصحة بمجلس النواب، والدكتور أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء، والدكتورة كوثر محمود، نقيب التمريض، إلى جانب عدد من قيادات وزارة الصحة والسكان وممثلي الجهات المعنية والشركاء الدوليين، في مشهد يعكس اتساع دائرة الشراكة حول ملف صحة الأم والطفل، باعتباره أحد الملفات التي تتجاوز حدود القطاع الصحي لتلامس مستقبل الأسرة والمجتمع بأكمله.
وأكد الدكتور خالد عبدالغفار أن رعاية الأم والطفل ليست مجرد خدمة صحية تقدم في توقيت محدد، وإنما استثمار مباشر في مستقبل المجتمع، موضحًا أن منظومة الصحة العامة تستهدف دعم رحلة الإنسان الصحية منذ المراحل الأولى، بدءًا من مرحلة ما قبل الزواج، مرورًا بالحمل والولادة، وصولًا إلى مرحلة ما بعد الولادة، وهو ما يفتح الباب أمام الوقاية والتدخل المبكر وتقليل المخاطر الصحية قبل تفاقمها، كما يرسخ مفهومًا أكثر شمولًا للصحة لا يبدأ عند ظهور المرض، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير، من خلال التوعية والمتابعة واكتشاف عوامل الخطورة وتقديم الدعم المناسب في الوقت المناسب.
وتضع المعايير الجديدة مفهوم «المنشأة صديقة الأم والطفل» أمام اختبار حقيقي، فالمطلوب لم يعد مجرد إعلان المنشأة التزامها بدعم الأم والطفل، وإنما تحويل هذا الالتزام إلى ممارسات يومية يمكن قياسها ومتابعتها وتقييم نتائجها، بدءًا من متابعة الحمل والتثقيف الصحي، مرورًا بتوفير الولادة الآمنة، ووصولًا إلى دعم الرضاعة الطبيعية والرعاية المتكاملة بعد الولادة، مع التأكيد على أهمية التلامس الجلدي المباشر بين الأم وطفلها، وتشجيع الولادة الطبيعية الآمنة، والحد من التدخلات الطبية غير المبررة، ليصبح معيار النجاح الحقيقي هو ما تشعر به الأم وما يحصل عليه الطفل من رعاية آمنة ومحترمة وفعالة.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور أحمد طه أن المعايير تستهدف نقل مفهوم المنشأة الصحية صديقة الأم والطفل من كونه شعارًا أو إطارًا نظريًا إلى ممارسة حقيقية يشعر بها المريض والأسرة، وتترك أثرًا ملموسًا على مستوى الخدمة منذ مرحلة ما قبل الولادة وحتى مغادرة المنشأة الصحية، مشيرًا إلى أن الوصول إلى هذا الهدف يحتاج إلى تكامل الأدوار بين المنشآت الصحية والجهات الوطنية والشركاء الدوليين، بما يضمن توحيد الممارسات ورفع مستوى الالتزام بمعايير الجودة والسلامة، ويجعل حقوق الأم والطفل جزءًا أصيلًا من منظومة تقديم الخدمة وليس مجرد عنصر إضافي إليها.
ولأن الرضاعة الطبيعية لا تنفصل عن صحة الأم والطفل،
استعرضت الدكتورة عبلة الألفي أهميتها في حماية الأم والطفل وتعزيز النمو السليم للطفل، إلى جانب التأكيد على أهمية الولادة الطبيعية الآمنة والتلامس الجلدي المباشر، وربط هذه الممارسات بدور مبادرة «الألف يوم الذهبية» في تحسين صحة الأم والطفل منذ ما قبل الحمل وحتى السنوات الأولى من عمر الطفل، وهي المرحلة التي تمثل قاعدة أساسية في تشكيل صحة الإنسان ونموه الجسدي والعقلي، بما يجعل الاستثمار فيها أحد أكثر الاستثمارات الصحية تأثيرًا على المدى الطويل.
ولم يكن الحضور الدولي للفعالية مجرد مشاركة بروتوكولية، فقد أكدت السيدة ناتاليا ويندر روسي، ممثلة منظمة اليونيسف في مصر، أن إطلاق المعايير يمثل خطوة مهمة نحو تحويل دعم الرضاعة الطبيعية ورعاية الأم والطفل إلى مكون أساسي داخل منظومة الرعاية الصحية، مشيدة بالشراكة مع الحكومة المصرية، بينما أكدت الدكتورة نعمة عابد، ممثلة منظمة الصحة العالمية في مصر، أهمية مواصلة العمل على تعزيز جودة خدمات الرعاية الصحية وتشجيع الولادة الآمنة والرضاعة الطبيعية والتلامس الجلدي المبكر، بما يتوافق مع التوجهات الدولية الرامية إلى جعل الرعاية الصحية أكثر أمانًا وإنسانية وتمحورًا حول احتياجات المريض والأسرة.
وفي الاتجاه نفسه، أشارت السيدة رود الحلبي، مدير برنامج الأغذية العالمي بمكتب مصر، إلى أن التجربة المصرية تقدم نموذجًا عمليًا يمكن أن يتحول إلى نموذج عالمي في تعزيز الحوكمة وتكامل الجهود لضمان التغذية السليمة للأمهات والأطفال، وهو ما يوضح أن قضية صحة الأم والطفل لم تعد مسؤولية جهة واحدة، وإنما أصبحت مساحة تتقاطع فيها الصحة والتغذية والتوعية وجودة الخدمات والحماية الاجتماعية، وكلما نجحت هذه القطاعات في العمل كمنظومة واحدة، أصبحت فرص بناء أجيال أكثر صحة وقدرة على مواجهة التحديات أكبر.
وفي ختام الفعاليات، جاء تكريم المشاركين في إعداد المعايير ليؤكد أن بناء منظومة الجودة لا يرتبط بقرار إداري واحد، وإنما هو نتاج عمل جماعي وخبرة تراكمية وشراكات متعددة، كما قدم الدكتور خالد عبدالغفار درع التميز لكل من الدكتورة مها الرباط والدكتور أحمد طه تقديرًا لإسهاماتهما في دعم جودة خدمات الرعاية الصحية، ليختتم إطلاق المعايير برسالة تتجاوز المناسبة نفسها، مفادها أن مستقبل الرعاية الصحية يبدأ من التفاصيل التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تصنع فارقًا كبيرًا في حياة أم وطفل، وأن المنشأة الصحية التي تحترم الأم، وتحمي الطفل، وتمنحهما رعاية آمنة وإنسانية، هي في النهاية منشأة تضع جودة الإنسان قبل كل شيء.