عبدالرحيم عبدالباري
لم تنتهِ أصداء مؤتمر إطلاق معايير اعتماد المنشآت الصحية صديقة الأم والطفل بانتهاء فعالياته، فبعد حالة التوتر والمشادة الكلامية التي شهدها المؤتمر بين الدكتور أسامة عبدالحي، نقيب عام الأطباء، والدكتورة كوثر محمود، نقيب عام التمريض، جاءت الخطوة التالية سريعًا من الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، عبر جمع الطرفين على مائدة واحدة داخل مقر الوزارة بالعاصمة الجديدة، في لقاء حمل رسالة واضحة بأن الاختلاف في وجهات النظر داخل المنظومة الصحية يجب أن ينتهي إلى الحوار، وأن الملفات المرتبطة بالعاملين في القطاع الصحي لا تحتمل أن تتحول إلى صراع بين مكونات الفريق الطبي.
اللقاء لم يكن مجرد اجتماع بروتوكولي عابر، وإنما بدا أقرب إلى محاولة لإعادة ضبط إيقاع العلاقة بين الوزارة والنقابات المهنية، خاصة أن الطبيب وهيئة التمريض يعملان داخل منظومة واحدة، ويتقاطع دورهما يوميًا في تقديم الخدمة الصحية للمواطنين، ولذلك ناقش الاجتماع عددًا من القضايا التي تمس العاملين بصورة مباشرة، وفي مقدمتها تحسين بيئة العمل داخل المنشآت الصحية، وتوفير الأجواء التي تساعد أعضاء الفريق الطبي على أداء مهامهم بكفاءة، إلى جانب تعزيز الحماية القانونية والمهنية لهم أثناء ممارسة عملهم.
وفتح الوزير مع نقيب الأطباء ونقيب التمريض أيضًا ملف التدريب المستمر، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية للحفاظ على كفاءة الكوادر الطبية والتمريضية ومواكبتها للتطور المتسارع في أساليب تقديم الخدمة الصحية، مع التأكيد على أهمية بناء كوادر قادرة على تحمل المسؤولية، ليس فقط داخل غرف الكشف والرعاية والعناية المركزة، ولكن كذلك في مواقع الإدارة والقيادة والإشراف، وهو ما ارتبط بطرح ملف تمكين الكفاءات من تولي المناصب القيادية وفق معايير الكفاءة والخبرة والقدرة على الإدارة.
وجاءت الرسالة الأهم من الدكتور خالد عبدالغفار خلال اللقاء في التأكيد على استمرار الحوار المفتوح مع النقابات المهنية، والاستماع إلى رؤاها ومقترحاتها، بما يساعد على التعامل مع التحديات التي تواجه العاملين في المنظومة الصحية، فالوزارة تدرك أن تطوير الخدمة الصحية لا يبدأ من الأجهزة والمباني والتجهيزات فقط، وإنما يبدأ قبل ذلك من الإنسان الذي يقدم الخدمة، ومن شعوره بالأمان المهني والاحترام والتقدير، ومن قدرته على العمل داخل بيئة مستقرة تتيح له أن يقدم أفضل ما لديه للمريض.
ومن جانبهما، أكد الدكتور أسامة عبدالحي والدكتورة كوثر محمود أهمية استمرار اللقاءات والتنسيق بين الوزارة والنقابات، بما يضمن الوصول إلى حلول عملية للقضايا المشتركة، ويعزز التكامل بين مختلف أطراف المنظومة الصحية، وهي رسالة تحمل في مضمونها أهمية تجاوز أي خلافات عابرة، ووضع مصلحة العاملين والمريض المصري في مقدمة الأولويات، خصوصًا أن أي توتر بين مكونات الفريق الصحي لا ينبغي أن ينعكس على الهدف الأساسي الذي يجتمع الجميع حوله، وهو تقديم خدمة صحية آمنة وجيدة للمواطن.
وبين مؤتمر «صديقة الأم والطفل» الذي شهد لحظة ساخنة، واجتماع الوزارة الذي جمع النقيبَين على طاولة واحدة، تبدو الرسالة الأوسع أن المنظومة الصحية المصرية لا تحتاج فقط إلى معايير اعتماد للمنشآت، وإنما تحتاج أيضًا إلى معايير دائمة للحوار والتعاون واحترام الأدوار، فالمستشفى الناجح لا تصنعه الجدران ولا الأجهزة وحدها، وإنما يصنعه فريق يعرف كيف يختلف دون أن ينقسم، وكيف يناقش مشكلاته دون أن يفقد هدفه، وكيف يحول لحظات التوتر إلى فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وهو ما يجعل اجتماع وزير الصحة مع نقيبَي الأطباء والتمريض خطوة تتجاوز حدود اللقاء الرسمي إلى محاولة للحفاظ على تماسك البيت الصحي من الداخل.