بقلم: أمير فيصل أمين عام حزب الغد في سوهاج
في مدينة ولدت من رمال الساحل الشمالي خلال عقد واحد فقط، كانت العلمين على موعد مع مشهد تتقاطع فيه طائرات سبع دول مختلفة في سماء واحدة بمطار العلمين الدولي، الأسبوع الماضي، حين افتتح السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي النسخة الثانية من معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء 2026، وسط حضور رئيس قبرص نيكوس كريستودوليدس ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي وقيادات عسكرية رفيعة في مقدمتها وزير الدفاع الفريق أول أشرف سالم زاهر وقائد القوات الجوية الفريق طيار عمرو صقر ووزير الطيران المدني سامح الحفني. مشهد كهذا لا يُقرأ فقط بوصفه احتفالاً عابراً، بل بوصفه رسالة مدروسة بعناية إلى العالم كله.
من يتابع مسار الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة يدرك أن اختيار العلمين تحديداً ليس صدفة جغرافية، فالمدينة التي كانت حتى وقت قريب مجرد وجهة سياحية صيفية، تحوّلت بقرار سياسي واضح إلى منصة دائمة لاستقبال فعاليات كبرى تحمل بعداً اقتصادياً واستثمارياً يتجاوز حدود الترفيه، فحين تقرر قيادة سياسية أن تجعل من مدينة ساحلية جديدة مقراً ثابتاً لمعرض دولي متخصص في صناعة تُعد من أعقد الصناعات وأكثرها حساسية تقنياً ومالياً، فهي بذلك تراهن على أن هذه المدينة ستصبح خلال سنوات قليلة عنواناً اقتصادياً لا سياحياً فحسب.
الطيران، بخلاف كثير من القطاعات، وبحكم تخصصي، لا يقبل نصف الحلول. فهو يحتاج بنية تحتية مكلفة، وتراخيص دولية معقدة، وثقة متراكمة من شركات عالمية لا تضع استثماراتها إلا في بيئات مستقرة، ولهذا فإن استضافة مصر لمعرض بهذا الحجم، بمشاركة فرق جوية من روسيا وإسبانيا وتركيا والسعودية والإمارات وفرنسا والهند إلى جانب القوات الجوية المصرية، ليس مجرد استعراض وإنما رسالة عملية موجهة إلى صناع القرار في شركات الطيران والدفاع حول العالم مفادها أن مصر أصبحت بيئة قادرة على استيعاب هذا النوع من الفعاليات بكل تعقيداتها اللوجستية والأمنية.
لم تتعامل القيادة السياسية المصرية مع الحدث بوصفه مناسبة متخصصة رغم الحضور اللافت للقوات المسلحة ووزارة الدفاع والإنتاج الحربي، فالمعرض جمع بين البعد الاستعراضي والفرص الاقتصادية المرتبطة بصناعات الطيران والدفاع والتكنولوجيا المتقدمة، في توقيت تتصاعد فيه عالمياً أهمية هذه الصناعات من حيث الاستثمارات ونقل التكنولوجيا وتوسيع الشراكات، وهذا بالضبط أساس التفكير الاستراتيجي الذي تقوم عليه فعاليات كهذه في أي دولة تسعى لموقع صناعي متقدم فلا يكفي أن تشتري طائرة، بل يجب أن تصبح جزءاً من سلسلة إنتاجها، ولو بخطوة واحدة صغيرة في البداية، فالدول لا تبني صناعاتها الثقيلة بقرار واحد، بل عبر تراكم بطيء يبدأ غالباً باستضافة الفعاليات الكبرى التي تجذب الشركات المصنعة والموردين وشركات الصيانة وحاضنات الأعمال المرتبطة بقطاع الطيران، وحين تحضر شركات عالمية كبرى إلى العلمين، فهي لا تأتي فقط لتعرض منتجاتها، بل لتقيّم فرص الاستثمار المحلي، من ورش الصيانة إلى مراكز التدريب إلى احتمالات التصنيع المشترك مستقبلاً. وهذه هي الحلقة التي تحاول القيادة المصرية بناءها بصبر واضح منذ سنوات.
لا يمكن فصل هذا التوجه عن رؤية أوسع تتبناها الدولة تجاه قطاع الطيران المدني ومطاراتها الإقليمية، حيث تسعى مصر إلى تعزيز موقعها كمحور إقليمي للنقل الجوي بين ثلاث قارات، مستفيدة من موقعها الجغرافي الفريد، فمطار العلمين نفسه، الذي بُني أصلاً ليخدم المدينة الساحلية الجديدة، يجري تحويله تدريجياً إلى منصة تستوعب فعاليات دولية ثقيلة، وهو ما يعكس تفكيراً عميقاً لاستثمار البنية التحتية القائمة لأكثر من غرض واحد،.
البعد الدبلوماسي في الحدث لا يقل أهمية عن بعده الاقتصادي. فحضور رئيس قبرص إلى جانب السيد الرئيس السيسي في افتتاح كهذا يحمل دلالة تتجاوز حدود الطيران، ويعكس عمق العلاقة الثنائية بين القاهرة ونيقوسيا في ملفات الطاقة والأمن الإقليمي في شرق المتوسط، والدول التي تختار المشاركة بفرق طيرانها الاستعراضية، من موسكو إلى باريس إلى نيودلهي، إنما تعبّر بلغة السماء عن رغبتها في الحضور داخل السوق المصرية الواعدة في قطاع الطيران المدني الذي يشهد نمواً متسارعاً مع توسع أسطول الخطوط الجوية المصرية وتوقيع عقود جديدة لتوريد طائرات ركاب حديثة.
ما يستحق التوقف عنده أيضاً هو الرمزية التي تحملها كلمة الفضاء في اسم المعرض، فمصر التي أطلقت وكالتها الفضائية قبل سنوات قليلة، لا تكتفي بالحديث عن الطيران التقليدي، بل تضع نفسها ضمن الدول التي تراهن على مستقبل صناعات الفضاء والأقمار الصناعية، ولو كانت الخطوات في هذا المسار لا تزال في بداياتها مقارنة بالدول الكبرى، وهذا يعكس رؤية قيادة سياسية تفكر بمنطق العقود لا بمنطق السنوات، وتدرك أن المكانة الاقتصادية للدول في القرن الحالي لن تُقاس فقط بحجم صادراتها الزراعية أو مواردها التقليدية، بل بموقعها من صناعات المستقبل التي يقف الطيران والفضاء في صدارتها.