حسين السمنودي
في الصالحية الجديدة.. حين يكون التعليم صناعة للإنسان
هناك فرق كبير بين مدرسة يؤدي فيها الجميع ما هو مطلوب منهم، ومدرسة يشعر كل من يعمل داخلها أن له دورًا في صناعة شيء أكبر من مجرد يوم دراسي ينتهي بانصراف الطلاب. والفرق الحقيقي لا تصنعه الجدران ولا المقاعد ولا كثرة الملفات، وإنما تصنعه الروح التي تسري في المكان، والضمير الذي يحرك العاملين فيه، والإيمان بأن الطالب الذي يقف أمام المعلم اليوم هو أحد رجال ونساء المستقبل غدًا.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى المشهد التعليمي في مدينة الصالحية الجديدة، حيث تظل الإدارة التعليمية أحد المراكز المهمة التي تتجمع حولها تفاصيل العملية التعليمية، بما تحمله من مسؤوليات في المتابعة والتوجيه والتنظيم والتنسيق، وبما تقوم به من دور في مساندة المدارس والمعلمين ومتابعة ما يحتاجه الطلاب.
فالعمل التعليمي لا يبدأ مع قرع جرس الحصة، ولا ينتهي بانتهاء اليوم الدراسي، وإنما هو منظومة طويلة تبدأ بالتخطيط والمتابعة، ثم تصل إلى المدرسة، ومنها إلى الفصل، ثم إلى الطالب، لتتحول في النهاية إلى معرفة وسلوك وشخصية وقدرة على التعامل مع المستقبل.
وهنا تبرز مدرسة أبو بكر الصديق الثانوية المشتركة بمدينة الصالحية الجديدة، لا باعتبارها مجرد مبنى تعليمي، وإنما باعتبارها مساحة تلتقي فيها أجيال جديدة من الطلاب مع مجموعة من أصحاب الخبرة الذين يحملون مسؤولية تربوية لا تقل أهمية عن مسؤولية التعليم نفسه.
فالمرحلة الثانوية تحديدًا تحتاج إلى نوع خاص من التعامل؛ الطالب لم يعد طفلًا صغيرًا ينتظر من يقول له ماذا يفعل في كل لحظة، ولم يصبح بعد شابًا مكتمل التجربة يستطيع أن يتخذ كل قراراته بمفرده. إنه يقف في منطقة تحتاج إلى التوجيه دون وصاية، وإلى الحزم دون قسوة، وإلى الحرية دون فوضى.
وهنا يكون دور المدرسة أكبر من أن تشرح مقررًا دراسيًا، فهي مطالبة بأن تساعد الطالب على معرفة نفسه، وأن تدفعه إلى اكتشاف قدراته، وأن تعوده على تحمل المسؤولية، وأن تفتح أمامه نوافذ مختلفة يرى من خلالها مستقبله.
وفي هذه المنظومة يأتي دور الأستاذ حسيني يوسف، وكيل الإدارة، الذي يمثل أحد العناصر المهمة في الجانب الإداري، فالمسؤولية الإدارية داخل المؤسسة التعليمية تحتاج إلى يقظة دائمة وقدرة على التعامل مع التفاصيل الصغيرة قبل أن تتحول إلى مشكلات كبيرة.
والعمل الإداري الناجح في المدرسة لا يقوم فقط على تنفيذ التعليمات، وإنما يحتاج إلى فهم طبيعة المكان وأشخاصه. فهناك طالب يحتاج إلى توجيه، ومعلم يحتاج إلى مساندة، وولي أمر يحتاج إلى إجابة واضحة، وموقف مفاجئ يحتاج إلى قرار سريع، وكل ذلك يتطلب شخصية تعرف كيف تدير الموقف دون أن تفقد البعد الإنساني.
ولهذا فإن وجود عناصر إدارية واعية يمثل دعمًا مهمًا للمدرسة، لأن المعلم عندما يجد إدارة منظمة وقريبة من الواقع يستطيع أن يتفرغ بصورة أكبر لرسالته الأساسية، وهي التعليم والتربية.
وإذا كان العقل الأكاديمي للمدرسة هو الفصول والمعلمون، فإن النشاط هو المساحة التي تتحرك فيها شخصية الطالب بحرية أكبر، وهنا يأتي دور الكابتن محمد الفولي، مسئول النشاط الرياضي، الذي يستحق تقديرًا خاصًا على ما يقدمه في هذا المجال.
فالرياضة داخل المدرسة ليست مجرد مباراة تنتهي بفوز فريق وخسارة آخر، وإنما هي تدريب عملي على الحياة. اللاعب يتعلم أن الفريق لا ينجح إذا عمل كل شخص منفردًا، ويتعلم أن الموهبة تحتاج إلى تدريب، وأن الانتصار يحتاج إلى انضباط، وأن الخسارة ليست نهاية الطريق.
والكابتن محمد الفولي يجمع، كما يعرفه طلابه، بين النشاط والحزم، وفي الوقت نفسه يحافظ على مساحة من القرب الإنساني من الطلاب، وهي ميزة مهمة في العمل مع الشباب؛ لأن الطالب يحتاج إلى مسؤول يستطيع أن يوجهه ويحاسبه، لكنه يحتاج أيضًا إلى شخص يشعر معه بالأمان والثقة.
والنشاط الرياضي الناجح يمكن أن يغير علاقة الطالب بالمدرسة كلها. الطالب الذي يجد نفسه لاعبًا متميزًا أو قائدًا لفريق أو صاحب موهبة رياضية يشعر أن له مكانًا داخل المدرسة، وهذا الشعور بالانتماء قد يكون من أهم المفاتيح التي تساعده على النجاح في جوانب أخرى من حياته.
وبعيدًا عن الملاعب، هناك معركة أخرى تخوضها المدرسة كل يوم داخل الفصول، حيث يقف المعلم أمام طلابه محاولًا أن يجعل المعلومة أقرب إلى عقولهم، وأن يحول الكتاب من صفحات جامدة إلى معرفة يمكن فهمها والاستفادة منها.
ومن بين أصحاب الخبرة الذين يستحقون الإشارة الأستاذ أشرف شعيب، خبير الدراسات الاجتماعية، فهذه المادة تحديدًا تحتاج إلى معلم يستطيع أن يخرج بها من إطار الحفظ التقليدي إلى مساحة أوسع من الفهم.
الدراسات الاجتماعية تجعل الطالب يرى وطنه من خلال تاريخه وجغرافيته وحضارته ومجتمعه، وتساعده على إدراك أن الأحداث التي يقرأ عنها لم تحدث في فراغ، وأن الموقع الجغرافي والثروات والحدود والتاريخ كلها عناصر تصنع حياة الشعوب.
والمعلم صاحب الخبرة يستطيع أن يجعل الطالب يشعر بأن التاريخ ليس ماضيًا انتهى، وإنما ذاكرة تساعدنا على فهم الحاضر، وأن الجغرافيا ليست مجرد خريطة، وإنما تفسير لكثير من تفاصيل الحياة من حولنا.
وهذا النوع من التعليم هو الذي يحتاجه الطالب اليوم؛ تعليم لا يطلب منه أن يحفظ فقط، وإنما يسأله: لماذا؟ وكيف؟ وماذا حدث بعد ذلك؟ وما العلاقة بين هذه المعلومة وتلك؟
وفي الرياضيات، يأتي دور الأستاذ أحمد يوسف، خبير الرياضيات، في مادة يعرف الجميع أنها تحتاج إلى صبر خاص وقدرة على الشرح بطريقة مختلفة.
فالرياضيات لا ترحم الحفظ الآلي، لأنها في النهاية تعتمد على الفهم والتطبيق، ولذلك فإن المعلم الذي يستطيع أن يجعل الطالب ينتقل من الخوف من المسألة إلى محاولة حلها، يكون قد أنجز خطوة تربوية مهمة قبل أن ينجز المسألة نفسها.
والأجمل في الرياضيات أنها تعلم الطالب درسًا يصلح لكل مجالات الحياة: لا تنظر إلى المشكلة كلها دفعة واحدة، بل قسمها إلى خطوات، وحاول، وإذا أخطأت فراجع، ثم حاول من جديد.
وهذه القيمة في حد ذاتها تستحق أن تصل إلى الطالب، لأن الحياة بعد المدرسة ستكون مليئة بمسائل لا توجد لها إجابة جاهزة في كتاب.
وبين الرياضيات والدراسات الاجتماعية والرياضة، وبين مختلف المواد الدراسية والأنشطة، يقف فريق كبير من معلمي مدرسة أبو بكر الصديق، وكل واحد منهم يؤدي جزءًا من المهمة.
قد لا نعرف أسماء الجميع، وقد لا تظهر جهودهم في الأخبار، لكن التعليم في حقيقته يقوم على هؤلاء الذين يعملون كل صباح، ويعيدون الشرح، ويصححون، ويتابعون، وينصحون، ويشجعون، ويغضبون أحيانًا من أجل مصلحة طالب، ثم يعودون في اليوم التالي ليبدأوا من جديد.
المعلم الحقيقي لا يغادر المدرسة مع انتهاء الحصة؛ لأن الطالب قد يظل حاضرًا في ذهنه، ومشكلة الطالب قد تستمر معه حتى بعد انتهاء اليوم الدراسي.
ولهذا فإن تقدير المعلمين ليس مجاملة، وإنما ضرورة. فالمعلم الذي يشعر بقيمة ما يقدمه يكون أكثر قدرة على العطاء، والمدرسة التي تحترم معلميها تضع أساسًا مهمًا للاستقرار والنجاح.
ولا ينبغي كذلك أن ننسى بقية العاملين داخل المدرسة؛ فهناك إداريون وعمال وأفراد يؤدون أعمالًا قد لا تلفت الانتباه، لكنها ضرورية حتى يستمر اليوم الدراسي بصورة طبيعية. وكل مؤسسة ناجحة تحتاج إلى احترام كل يد تعمل فيها، لأن العمل الجماعي لا يعرف عملًا بلا قيمة.
ومن المهم أيضًا أن تنظر المدرسة إلى الطالب باعتباره أكثر من مجرد مجموع درجات.
قد يكون هناك طالب ضعيف في مادة لكنه يمتلك موهبة رياضية، وقد يكون آخر متوسطًا دراسيًا لكنه يملك قدرة استثنائية على القيادة، وثالث لديه موهبة في الكتابة أو الرسم أو النشاط الثقافي.
إذا لم نكتشف هذه الطاقات، فإننا نكون قد رأينا نصف الطالب فقط.
وهنا تأتي أهمية الأنشطة المدرسية، لأنها تمنح المدرسة فرصة لرؤية جوانب أخرى في شخصية أبنائها. فالطالب الذي لا يلمع في ورقة الامتحان قد يلمع في الملعب، والذي لا يتحدث كثيرًا داخل الفصل قد يكون قائدًا ممتازًا في نشاط جماعي.
والمدرسة الذكية هي التي تعرف كيف تستفيد من كل هذه الطاقات بدلًا من وضع الطلاب جميعًا في قالب واحد.
كما أن تطوير التعليم يحتاج إلى علاقة أكثر قوة بين المدرسة والأسرة. ولي الأمر ليس مجرد شخص يأتي إلى المدرسة عندما تحدث مشكلة، وإنما يجب أن يكون شريكًا في متابعة ابنه، ومعرفة نقاط القوة والضعف لديه، والتعاون مع المدرسة في بناء شخصيته.
فالطالب عندما يجد أن البيت والمدرسة يتحركان في اتجاه واحد، يكون أكثر قدرة على الاستقرار، بينما تضارب الرسائل بين البيت والمدرسة قد يجعل الطالب في حالة ارتباك.
ومن هنا فإن مستقبل التعليم في الصالحية الجديدة يحتاج إلى استمرار روح التعاون، وإلى دعم المعلمين، وتشجيع الأنشطة، واكتشاف المواهب، والاهتمام بالانضباط، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الجانب الإنساني في التعامل مع الطلاب.
فالانضباط بلا إنسانية قد يتحول إلى خوف، والحرية بلا انضباط قد تتحول إلى فوضى، والتعليم بلا أخلاق يصبح مجرد معلومات، والأنشطة بلا هدف تتحول إلى وقت عابر. أما عندما تتوازن هذه العناصر، فإن المدرسة تتحول إلى بيئة حقيقية لبناء الإنسان.
ولهذا تستحق الإدارة التعليمية بمدينة الصالحية الجديدة كل تقدير لكل جهد يبذل من أجل انتظام العملية التعليمية وتطويرها، كما تستحق مدرسة أبو بكر الصديق الثانوية المشتركة التحية لكل من يعمل فيها ويؤمن بأن مسؤوليته لا تتوقف عند حدود الوظيفة.
تحية للأستاذ حسيني يوسف، وكيل الإدارة، على دوره في منظومة العمل الإداري، وتحية للكابتن محمد الفولي، مسئول النشاط الرياضي، على نشاطه وحزمه وقربه من الطلاب، وتحية للأستاذ أشرف شعيب، خبير الدراسات الاجتماعية، وللأستاذ أحمد يوسف، خبير الرياضيات، ولكل معلم ومعلمة داخل المدرسة، ولكل إداري وعامل يبذل جهدًا من أجل أن تبقى المدرسة في الصورة التي تليق برسالتها.
والأجمل من كل كلمات الإشادة أن نرى ثمرة هذا الجهد في طالب يدخل المدرسة وهو يحمل حلمًا صغيرًا، ثم يخرج منها بعد سنوات وهو يحمل علمًا وثقة بالنفس وقدرة على مواجهة الحياة.
هذه هي القيمة الحقيقية للتعليم.
وهذا هو المعنى الذي يجعل الحديث عن مدرسة أبو بكر الصديق في الصالحية الجديدة يتجاوز حدود المدرسة نفسها؛ لأننا عندما نتحدث عن المدرسة فإننا في الحقيقة نتحدث عن المستقبل، وعن أبناء المدينة الذين سيحملون غدًا مسؤولية مجتمعهم ووطنهم.
وفي النهاية، قد تتغير الكتب والمناهج والأدوات، وقد تدخل التكنولوجيا إلى كل تفاصيل التعليم، لكن شيئًا واحدًا سيظل ثابتًا: الإنسان هو أساس العملية التعليمية.
معلم يؤمن برسالته، وإدارة تعرف مسؤوليتها، وطالب يجد من يكتشف موهبته، وأسرة تشارك في الطريق، وبيئة مدرسية تجمع بين العلم والانضباط والاحترام؛ تلك هي المعادلة التي يمكن أن تصنع مدرسة حقيقية.
ومن هنا تبدأ الحكاية في الصالحية الجديدة… حكاية لا عنوانها الدرجات وحدها، ولا تختصرها الامتحانات، وإنما عنوانها الأكبر هو الإنسان الذي نتمنى أن نراه بعد سنوات أفضل علمًا، وأقوى شخصية، وأكثر وعيًا، وأشد انتماءً لوطنه.