عبدالرحيم عبدالباري
لم تعد غرفة العمليات في المستقبل البعيد كما كانت في خيالنا، فالتكنولوجيا التي كانت يومًا مشهدًا من أفلام الخيال العلمي أصبحت اليوم جزءًا من الواقع الطبي، والروبوتات الجراحية بدأت تفرض حضورها في واحدة من أكثر ساحات الطب احتياجًا إلى الدقة، وهي جراحات المفاصل، ومن هنا يأتي تحرك وزارة الصحة والسكان نحو توفير أجهزة الروبوت الجراحي المتخصصة بعدد من مستشفياتها، بالتوازي مع إعداد وتأهيل الجراحين القادرين على التعامل مع هذه التقنيات، في خطوة تعكس أن تحديث المنظومة الصحية لا يرتبط بشراء جهاز متطور فقط، وإنما ببناء منظومة متكاملة تمتلك المعرفة والخبرة والقدرة على الاستخدام الآمن والفعال لهذه التكنولوجيا.

وشهد الدكتور خالد عبدالغفار وزير الصحة والسكان توقيع بروتوكول تعاون بين الوزارة وشركة الأهلية هيلث كير، بهدف توفير أجهزة الروبوت الجراحي المتخصصة في جراحات المفاصل بعدد من المستشفيات التابعة للوزارة، إلى جانب دعم تدريب وتأهيل الكوادر الطبية على استخدام التقنيات الجراحية الروبوتية، ووقع البروتوكول عن الوزارة الدكتور بيتر وجيه مساعد الوزير للطب العلاجي، وعن الشركة الدكتور محسن ميرغني رئيس مجلس الإدارة، ليضع الاتفاق إطارًا للتعاون بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص في واحد من المجالات التي تشهد تطورًا متسارعًا على مستوى الممارسات الطبية الحديثة، ويمنح الكوادر الطبية فرصة التعامل المباشر مع أدوات وتقنيات أكثر تقدمًا في مجال جراحات المفاصل.
القيمة الحقيقية لهذا التعاون لا تتوقف عند وصول أجهزة الروبوت إلى المستشفيات، وهو ما أكد عليه الدكتور حسام عبدالغفار المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان، موضحًا أن البروتوكول يستهدف دعم التوسع في استخدام التقنيات الحديثة وتطوير مستوى الخدمات الطبية المقدمة للمرضى، بالتوازي مع تدريب وتأهيل الكوادر وفق أحدث الأساليب والمعايير الطبية، وهي معادلة شديدة الأهمية، لأن التكنولوجيا مهما بلغت درجة تطورها تظل مرتبطة بالإنسان القادر على استخدامها، ولذلك فإن الاستثمار في الجراح والطبيب لا يقل أهمية عن الاستثمار في الجهاز نفسه، بل يمثل الضمان الأساسي لتحويل التقنية من مجرد إمكانات متاحة إلى خدمة طبية حقيقية يستفيد منها المريض.
وعلى هامش توقيع البروتوكول، عقد الوزير اجتماعًا مع ممثلي الشركة لمناقشة تفاصيل التعاون وخطة توفير الأجهزة وآليات التدريب العلمي والعملي للجراحين، إلى جانب بحث خطة إنشاء مركز متخصص للتدريب على هذه التقنيات، وهو ما يكشف عن توجه يتجاوز فكرة إدخال جهاز جديد إلى المستشفيات نحو تأسيس بيئة متكاملة للتعلم والتطبيق ونقل الخبرات، إذ إن الجراحة الروبوتية تحتاج إلى تدريب متخصص وممارسة عملية مستمرة وفهم دقيق للتقنية، ولذلك شدد الدكتور خالد عبدالغفار على أهمية التركيز على الجانب العلمي والتدريبي بالتوازي مع توفير الأجهزة، مؤكدًا أن تأهيل الجراحين يمثل أولوية أساسية لضمان الاستفادة المثلى من التقنيات الحديثة وتطبيقها بكفاءة وأمان.
وفي هذا السياق، لفت وزير الصحة إلى أن مستشفى الهلال الأحمر ستكون من أوائل المستشفيات التي سيتم توفير روبوت جراحات المفاصل بها، وهو ما يمنح المستشفى دورًا مهمًا في مرحلة إدخال هذه التكنولوجيا وتوسيع نطاق استخدامها داخل منظومة الوزارة، فيما أوضح ممثلو الشركة أن الجهاز الروبوتي يمثل تقنية متقدمة تستهدف تدريب الجراحين ودعم بناء كوادر متخصصة في الجراحات الروبوتية، لتصبح الخبرة المتراكمة لدى الأطباء عنصرًا أساسيًا في استدامة المشروع، وليس مجرد تجربة مرتبطة بتوفير الأجهزة، فكل جهاز جديد يحتاج إلى فريق طبي مؤهل، وكل تقنية حديثة تحتاج إلى أطباء قادرين على فهم إمكاناتها وحدودها والتعامل معها وفق المعايير الطبية المعتمدة.
ويأتي هذا البروتوكول في إطار توجه وزارة الصحة والسكان نحو التوسع في استخدام التقنيات الطبية الحديثة ورفع كفاءة الكوادر الطبية، بما يسهم في تطوير منظومة الرعاية الصحية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمرضى، وحضر الاجتماع من جانب الوزارة الدكتورة مها إبراهيم رئيس أمانة المراكز الطبية المتخصصة، والدكتور محمد العقاد مدير عام المجالس الطبية المتخصصة، والدكتور أحمد رزق نائب رئيس الأمانة، والدكتور أحمد حواس مدير مستشفى الهلال الأحمر، ومن جانب الشركة الدكتور أحمد الشرقاوي المدير الإقليمي لشركة سترايكر، والدكتور أحمد علي مدير القطاع، والأستاذ يوسف ميرغني المدير التجاري، والأستاذ باسل عامر مدير تطوير الشركة، ليبقى التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة هو تحويل هذه الشراكة إلى نموذج مستدام يجمع بين التكنولوجيا والتدريب والخبرة، بحيث لا يكون الروبوت مجرد آلة داخل غرفة العمليات، وإنما جزءًا من منظومة طبية جديدة عنوانها الدقة والمعرفة والاستثمار في الإنسان قبل الجهاز.
وفي النهاية، فإن دخول الروبوتات إلى جراحات المفاصل داخل مستشفيات وزارة الصحة لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد إضافة تقنية إلى قائمة الأجهزة الطبية، بل باعتباره اختبارًا لقدرة المنظومة الصحية على مواكبة التحول التكنولوجي العالمي، والأهم أن هذا التحول يبدأ من الطبيب قبل الروبوت، ومن التدريب قبل التشغيل، ومن بناء الخبرة قبل الحديث عن الإمكانات، فإذا نجحت الوزارة في الجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والجراح المؤهل والمنظومة التدريبية المستدامة، فإن غرفة العمليات المصرية يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى مساحة أكثر دقة وتطورًا، ويصبح المريض هو المستفيد الأول من هذه النقلة التي تضع المعرفة والتكنولوجيا في خدمة جودة الرعاية الصحية.