عبدالرحيم عبدالباري
في عالم الرعاية الصحية، قد تكون الشهادة المعلقة على جدار المؤسسة دليلًا على أن هناك نظامًا تم تطبيقه وفق معايير محددة، لكن المواطن لا يرى الشهادة عندما يدخل للحصول على الخدمة، ولا يسأل عن رقمها أو الجهة التي منحتها، وإنما يبحث عن شيء أكثر بساطة ووضوحًا، هل وجد خدمة منظمة؟ هل حصل على حقه بسهولة؟ هل وجد من يسمعه عندما يواجه مشكلة؟ وهل وصلت شكواه إلى من يستطيع التعامل معها؟ من هنا تبدأ القصة الحقيقية لشهادتي الأيزو اللتين حصلت عليهما الإدارة العامة للمبادرات الصحية بوزارة الصحة والسكان، لأن القيمة الأهم ليست في الشهادة ذاتها، وإنما في الفلسفة التي تقف خلفها، جودة تُقاس، وشكوى تُسمع، ومواطن يصبح جزءًا من عملية تطوير الخدمة.

فالحصول على ISO 9001:2015 وISO 10002:2018 يفتح بابًا مختلفًا أمام إدارة المبادرات الصحية، بابًا لا يكتفي بالنظر إلى ما تقدمه المنظومة من خدمات، وإنما يضع طريقة تقديم هذه الخدمات وتجربة المستفيد في دائرة الاهتمام، فالجودة الحقيقية لا تعني أن تعمل المؤسسة وفق ما تراه مناسبًا فقط، بل أن تمتلك القدرة على مراجعة أدائها باستمرار، واكتشاف نقاط الضعف، والاستماع إلى ملاحظات المتعاملين معها، ثم تحويل هذه الملاحظات إلى إجراءات تصحيحية وتطويرية، ولذلك فإن ربط إدارة الجودة بإدارة الشكاوى ورضا المستفيدين يحمل رسالة واضحة، وهي أن المواطن ليس مجرد متلقٍ للخدمة، وإنما أحد مصادر المعلومات التي تساعد المؤسسة على معرفة مدى نجاحها في أداء مهمتها.
في المؤسسات الصحية، لا تُقاس الجودة بعدد الأجهزة أو حجم المنشآت فقط، وإنما بقدرة المنظومة على أن تعرف أين تقف، وما الذي يحتاج إلى تطوير، وكيف يرى المواطن الخدمة التي يحصل عليها، ومن هذه الزاوية تأتي أهمية حصول الإدارة العامة للمبادرات الصحية بوزارة الصحة والسكان على شهادتي الأيزو في نظام إدارة الجودة وإدارة شكاوى ورضا المستفيدين، فالأمر يتجاوز الحصول على شهادتين دوليتين إلى بناء ثقافة إدارية جديدة تجعل التطوير المستمر والاستماع إلى المستفيد جزءًا من آليات العمل اليومية، وهو ما يعكس توجهًا نحو تحويل الجودة من مفهوم إداري نظري إلى ممارسة قابلة للقياس والتقييم والتحسين.
وعقد الدكتور خالد عبدالغفار وزير الصحة والسكان اجتماعًا مع فريق الإدارة العامة للمبادرات الصحية عقب حصول الإدارة على شهادتي الأيزو ISO 9001:2015 وISO 10002:2018، في نظامي إدارة الجودة وإدارة شكاوى ورضا المستفيدين، وهو ما يمثل خطوة مهمة في مسار تطوير الأداء المؤسسي داخل منظومة المبادرات الصحية، خاصة أن هذه المبادرات تتعامل بصورة مباشرة مع أعداد كبيرة من المواطنين في مختلف المحافظات، وبالتالي فإن وجود نظام مؤسسي واضح لإدارة الجودة، إلى جانب آلية منظمة للتعامل مع الشكاوى وملاحظات المستفيدين، يمكن أن يسهم في اكتشاف مواطن القوة والقصور بصورة أكثر دقة، وتحويل الملاحظات التي تصل من المواطنين إلى مدخل حقيقي لتحسين الخدمة.
وأوضح الدكتور حسام عبدالغفار المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان أن الحصول على الشهادتين يأتي في إطار حرص الوزارة على تطبيق أفضل المعايير الدولية، موضحًا أن شهادة إدارة الجودة تستهدف بناء نظام مؤسسي متكامل يضمن التخطيط والتنفيذ الفعال للمبادرات والتحسين المستمر لجودة الخدمات، بينما تستهدف شهادة إدارة الشكاوى وضع منهجية واضحة للتعامل مع ملاحظات المستفيدين، بما يعزز الشفافية وسرعة الاستجابة ويرفع مستوى رضاهم، وهنا تتضح أهمية الجمع بين النظامين، فالجودة لا تعني فقط أن تقدم المؤسسة الخدمة وفق إجراءات محددة، وإنما تعني أيضًا أن تكون قادرة على الاستماع إلى من تلقى الخدمة، وفهم ملاحظاته، وتحليل أسباب المشكلة، ثم اتخاذ إجراءات تمنع تكرارها.
وخلال الاجتماع، اطلع الدكتور خالد عبدالغفار على العرض التوضيحي المقدم من الدكتورة منى خليفة مدير عام الإدارة حول الإجراءات التي تم اتخاذها للحصول على الشهادتين، مشيدًا بجهود فريق العمل في تحقيق هذا الإنجاز خلال فترة وجيزة، ومؤكدًا أن أهمية الشهادتين لا تتوقف عند الجانب الفني أو الإداري، وإنما تمتد إلى تطوير بيئة العمل ورفع كفاءة الأداء وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وهي رسالة تعكس أن الهدف الأساسي من تطبيق معايير الجودة ليس الحصول على اعتماد دولي ينتهي بمجرد صدوره، وإنما الحفاظ على منظومة عمل قادرة على التطور والاستجابة للمتغيرات والاحتياجات الفعلية للمستفيدين.
واللافت في التجربة أن ملف شكاوى المواطنين لم يتم التعامل معه باعتباره مجرد قناة لتلقي الاعتراضات، وإنما أصبح جزءًا من منظومة إدارة الجودة، فالشكاوى في أي مؤسسة صحية يمكن أن تتحول من عبء إداري إلى مصدر مهم للمعلومات إذا جرى تحليلها بصورة علمية، لأنها تكشف تفاصيل قد لا تظهر من خلال التقارير التقليدية، وتوضح نقاط الاحتكاك بين المواطن ومقدم الخدمة، ولذلك فإن وجود نظام معتمد لإدارة الشكاوى ورضا المستفيدين يفتح الباب أمام قراءة أكثر دقة لتجربة المواطن، ويجعل صوته أحد العناصر التي يمكن الاستناد إليها عند تطوير الإجراءات وتحسين مستوى الخدمة.
وفي إطار تعظيم الاستفادة من التجربة، وجه الدكتور خالد عبدالغفار الدكتور محمد حساني مساعد الوزير لمشروعات ومبادرات الصحة العامة بنقل تجربة الإدارة العامة للمبادرات الصحية إلى مختلف قطاعات الوزارة، والتوسع في تطبيق أنظمة الجودة بما يدعم التميز المؤسسي والارتقاء بالخدمات الصحية، وهو توجيه يحمل دلالة مهمة، لأن نجاح أي نظام للجودة لا يتحقق عندما يظل محصورًا داخل إدارة واحدة، وإنما عندما يتحول إلى ثقافة مؤسسية تنتقل بين القطاعات والإدارات المختلفة، وتصبح معايير التخطيط والمتابعة وقياس الأداء والتعامل مع شكاوى المواطنين جزءًا من الممارسة اليومية داخل المنظومة الصحية.
وحضر الاجتماع الدكتور محمد حساني والدكتور جلال الشيشيني رئيس الإدارة المركزية لجودة الرعاية الصحية، والدكتورة منى خليفة مدير عام الإدارة، إلى جانب فريق العمل المعني بالمبادرات الصحية، ليؤكد الاجتماع في مجمله أن المرحلة المقبلة لا تتعلق فقط بالحفاظ على شهادتي الأيزو، وإنما بتحويل ما وراء الشهادتين إلى نتائج يشعر بها المواطن في مكان تقديم الخدمة، فالقيمة الحقيقية للجودة تظهر عندما تصبح الإجراءات أكثر انضباطًا، والاستجابة أسرع، والأخطاء أقل، ورضا المستفيد أعلى، وعندما تتحول ملاحظات المواطنين إلى قرارات تطوير حقيقية، لتصبح الشهادة في النهاية بداية لمسار طويل من العمل، وليست محطة يصل إليها الفريق ثم يتوقف عندها.
وهكذا تبدو قصة شهادتي الأيزو في الإدارة العامة للمبادرات الصحية أكبر من مجرد إنجاز إداري، لأنها تضع مفهومًا مختلفًا للجودة داخل القطاع الصحي، عنوانه أن الخدمة الجيدة لا تكتفي بأن تكون مطابقة للمعايير، بل يجب أن تكون أيضًا قريبة من احتياجات المواطن وقادرة على الاستماع إليه والاستجابة لملاحظاته، فالمعيار الحقيقي لأي نظام جودة ليس الورقة التي تحمل شعار الاعتماد، وإنما ما يتغير على الأرض بعدها، وما يلمسه المواطن في رحلته للحصول على الخدمة، وإذا نجحت وزارة الصحة في تعميم هذه التجربة على قطاعاتها المختلفة، فإن الجودة يمكن أن تتحول من شهادة تحصل عليها المؤسسات إلى ثقافة راسخة تحكم طريقة التفكير والعمل وصناعة القرار داخل المنظومة الصحية المصرية.