حسين السمنودي
في الوقت الذي أصبحت فيه المؤسسات الدينية مطالبة بأن تتجاوز حدود الدور التقليدي، وأن تكون أكثر قربًا من قضايا المجتمع وهموم أفراده، تأتي النماذج المضيئة التي تؤكد أن العمل الدعوي الحقيقي لا ينفصل عن العمل الإنساني، وأن المسجد والمؤسسة الدينية يمكن أن يكونا مساحة رحبة للاحتواء والتشجيع واكتشاف المواهب وصناعة الأمل.
ومن هذا المنطلق، جاء استقبال فضيلة الدكتور سعيد حامد مبروك، وكيل وزارة الأوقاف ببني سويف، لعدد من النوابغ من ذوي الهمم، في لقاء حمل كثيرًا من المعاني الإنسانية والدعوية والإدارية، ولم يكن مجرد مناسبة عابرة، وإنما صورة تعكس اهتمامًا حقيقيًا بأصحاب المواهب والقدرات الخاصة، وحرصًا على أن يجدوا من يستمع إليهم ويقدر إبداعهم ويفتح أمامهم أبوابًا جديدة للمشاركة والعطاء.
لقد حمل اللقاء رسالة واضحة مفادها أن ذوي الهمم ليسوا مجرد فئة تحتاج إلى الرعاية، وإنما هم أصحاب طاقات وقدرات ومواهب قادرة على الإبداع والإنجاز، وأن المجتمع حين يمنحهم الفرصة الحقيقية فإنه لا يقدم لهم خدمة فحسب، بل يستفيد أيضًا من طاقات بشرية يمكن أن تكون مصدرًا للإبداع والتميز.
وخلال اللقاء، حرص فضيلة الدكتور سعيد حامد مبروك على استقبال النوابغ بكل ترحاب وتقدير، والاستماع إليهم والتعرف على مواهبهم وإنجازاتهم، مشيدًا بما قدموه من نماذج متميزة تؤكد أن الإرادة قادرة على تجاوز كثير من الصعوبات، وأن الإنسان لا تقاس قدراته بما يواجهه من تحديات، وإنما بما يستطيع أن يصنعه رغم هذه التحديات.
وهنا تظهر قيمة القيادة التي لا تكتفي بمتابعة الملفات من المكاتب، وإنما تنزل إلى أرض الواقع، وتقترب من الناس، وتستمع إلى أصحاب التجارب المختلفة، وتبحث عن النماذج التي تستحق أن تسلط عليها الأضواء.
فالعمل الإداري الناجح ليس قرارات وتعليمات وأوراقًا فقط، وإنما هو قدرة على إدارة البشر قبل إدارة الملفات، وفهم احتياجات العاملين والمتعاملين مع المؤسسة، وخلق حالة من الثقة والتعاون، وتحويل الإدارة إلى مساحة يشعر فيها الجميع بأنهم جزء من منظومة واحدة.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الحضور الإداري لفضيلة الدكتور سعيد حامد مبروك، الذي يحرص على أن تكون مديرية أوقاف بني سويف حاضرة في المجتمع، لا بمعناها الإداري فقط، وإنما باعتبارها مؤسسة دعوية وإنسانية لها دور في بناء الوعي وخدمة الناس والتفاعل مع قضاياهم.
فالقيادة الإدارية داخل مديرية الأوقاف لا تنفصل عن الرسالة الأساسية التي تقوم عليها وزارة الأوقاف، وهي بناء الوعي الديني الرشيد، وتصحيح المفاهيم، وترسيخ القيم التي يحتاجها المجتمع، وفي مقدمتها الرحمة والتسامح والاحترام وقبول الآخر والتكافل والتراحم.
ومن هنا فإن الاهتمام بذوي الهمم يمثل في جوهره رسالة دعوية قبل أن يكون نشاطًا اجتماعيًا؛ لأن الدين الذي يدعو إلى الرحمة والعدل وحفظ كرامة الإنسان، لا يمكن أن يغيب عن احتياجات أصحاب الهمم أو مواهبهم أو تطلعاتهم.
إن تكريم الموهبة وتشجيع المتفوق والوقوف إلى جوار من استطاع أن يتحدى ظروفه، كلها معانٍ أصيلة في منظومة القيم الإسلامية، وهي معانٍ تحتاج إلى أن تتحول من كلمات تقال إلى سلوك يمارس في الحياة اليومية.
ولذلك فإن استقبال النوابغ من ذوي الهمم في مديرية أوقاف بني سويف يبعث برسالة مهمة إلى المجتمع بأسره: لا تنظروا إلى الإنسان من خلال ما يفتقده، وإنما انظروا إليه من خلال ما يمتلكه من قدرات.
وقد يكون وراء الإعاقة موهبة استثنائية، ووراء الصمت قصة نجاح، ووراء الظروف الصعبة إنسان يمتلك من العزيمة ما يجعله أكثر قدرة على صناعة الإنجاز من كثيرين لم تواجههم مثل هذه التحديات.
ومن الجوانب اللافتة في هذا اللقاء أيضًا وجود المتخصصين القادرين على التواصل مع النوابغ من ذوي الهمم، وفي مقدمتهم الدكتورة منى عبد الحليم، مترجم لغة الإشارة، بما يعكس أهمية إزالة الحواجز أمام التواصل، وأن الدمج الحقيقي يبدأ من قدرة المؤسسة على الوصول إلى الإنسان بالطريقة التي تناسب احتياجاته.
كما جاء اللقاء بحضور فضيلة الشيخ مصطفى كمال، مدير الدعوة بالمديرية، وفضيلة الشيخ محمود عامر، مسئول الإرشاد الديني، وهو ما يؤكد أن الاهتمام بهذه النماذج يأتي في إطار منظومة متكاملة تجمع بين الجانب الدعوي والإرشادي والإنساني.
والدور الدعوي الذي يمكن أن تقوم به مديرية الأوقاف في هذا المجال يتجاوز إقامة الفعاليات والمناسبات؛ فهو دور ممتد إلى نشر ثقافة مجتمعية تحترم أصحاب الهمم، وتدعم دمجهم، وتتعامل معهم باعتبارهم شركاء في بناء المجتمع، لا مجرد مستفيدين من خدماته.
وهنا تبرز أهمية المنبر في بناء الوعي، فالخطيب والداعية يستطيعان أن يقدما خطابًا دينيًا يؤكد كرامة الإنسان، ويحارب السخرية والتنمر والاستهانة بقدرات الآخرين، ويغرس في نفوس النشء احترام أصحاب الهمم وتقدير مواهبهم، ويحول القيم الدينية إلى ممارسات اجتماعية حقيقية.
كما أن اكتشاف النوابغ ورعاية الموهوبين ينبغي أن يكون جزءًا من ثقافة مؤسسية مستمرة، لأن كثيرًا من المواهب قد تظل مجهولة إذا لم تجد من يكتشفها ويشجعها ويمنحها الثقة.
ولعل أجمل ما في مثل هذه اللقاءات أنها تمنح الموهوب رسالة نفسية بالغة الأهمية: أنت مرئي، موهبتك مقدرة، وما تفعله يستحق أن يسمعه الآخرون.
وقد يكون لهذه الرسالة أثر أكبر مما نتخيل في حياة إنسان ظل لفترة طويلة يشعر بأن المجتمع لا يرى إلا إعاقته، بينما يأتي موقف بسيط من مسؤول أو مؤسسة ليؤكد له أن هناك من يرى موهبته قبل أي شيء آخر.
وهنا تتجلى القيادة الريادية في أبهى صورها؛ فالقيادة ليست أن يكون المسؤول في مقدمة الصفوف لمجرد موقعه الوظيفي، وإنما أن يكون قادرًا على صناعة حالة من الإيجابية حوله، وأن يفتح النوافذ أمام الأفكار والمواهب، وأن يجعل المؤسسة التي يقودها أكثر قربًا من المجتمع.
ومن خلال هذا المنظور، فإن الدور الذي تضطلع به قيادة مديرية أوقاف بني سويف يحمل أبعادًا متعددة؛ فهناك مسؤولية إدارية تتعلق بحسن إدارة العمل ومتابعة الأداء، ومسؤولية دعوية تتعلق ببناء الوعي وتصحيح المفاهيم، ومسؤولية مجتمعية تتعلق بالتفاعل مع قضايا المواطنين، ومسؤولية إنسانية تجعل المؤسسة قريبة من أصحاب الظروف الخاصة والمواهب الاستثنائية.
وهذه الأدوار عندما تتكامل تصبح المؤسسة الدينية أكثر تأثيرًا وحضورًا، لأنها لا تتحدث إلى الناس من بعيد، وإنما تقترب منهم وتستمع إليهم وتشاركهم أفراحهم وتحدياتهم، وتدعم كل نموذج قادر على تقديم شيء إيجابي للمجتمع.
إن بني سويف بما تمتلكه من طاقات بشرية وشبابية ومواهب في مختلف المجالات تحتاج إلى استمرار اكتشاف هذه النماذج وإلقاء الضوء عليها، لأن المجتمعات لا تنهض فقط بالمشروعات والمنشآت، وإنما تنهض أيضًا بالإنسان، وبالعقول والقلوب والمواهب التي تعيش على أرضها.
ومن هنا فإن دعم النوابغ من ذوي الهمم ليس ملفًا هامشيًا، بل هو جزء من بناء مجتمع أكثر وعيًا وعدلًا وإنسانية، مجتمع لا يغلق أبوابه أمام اختلاف القدرات، ولا يسمح بأن تتحول الإعاقة إلى حاجز يحول بين الإنسان وبين حقه في المشاركة والنجاح.
لقد كان لقاء فضيلة الدكتور سعيد حامد مبروك بهذه النماذج المتميزة فرصة لإعادة التأكيد على أن الأوقاف يمكن أن تكون حاضرة في تفاصيل المجتمع، وأن الرسالة الدعوية عندما تمتزج بالعمل الإداري الواعي والحس الإنساني تصبح أكثر قدرة على الوصول إلى الناس والتأثير فيهم.
فالمسؤول الذي يستمع إلى موهبة صغيرة، ويشجع شابًا على الاستمرار، ويمنح صاحب قدرة خاصة مساحة للتعبير عن نفسه، إنما يشارك بطريقة مباشرة في بناء إنسان أكثر ثقة، ومجتمع أكثر قدرة على احتضان أبنائه.
وفي النهاية، تبقى قيمة هذا اللقاء في الرسالة التي تركها وراءه: أن الموهبة لا تعرف عائقًا، وأن الإرادة تستطيع أن تحول التحدي إلى إنجاز، وأن ذوي الهمم قادرون على أن يكونوا أصحاب أثر حقيقي في مجتمعهم متى وجدوا الدعم والفرصة والتقدير.
وتظل مسؤولية المؤسسات الدينية والمجتمعية أن تواصل البحث عن هذه الطاقات، وأن تمنحها المساحة التي تستحقها، وأن تجعل من قصص نجاحها مصدر إلهام للأجيال الجديدة.
وهكذا تبدو القيادة الحقيقية في معناها الأوسع: إدارة تنظم العمل، ودعوة تبني الوعي، وإنسانية تحتضن الناس، ورؤية تكتشف الطاقات قبل أن تضيع في زحام الحياة.
وهذه هي الرسالة التي يمكن أن تحملها مديرية أوقاف بني سويف إلى المجتمع؛ رسالة تؤكد أن أبواب المؤسسة الدينية مفتوحة للخير، وأن خدمة الإنسان ودعم موهبته واحترام كرامته جزء أصيل من رسالة دينية ومجتمعية لا تكتمل إلا عندما تصل آثارها إلى كل إنسان، ومن بينهم أبناؤنا النوابغ من ذوو الهمم الذين أثبتوا أن الإرادة حين تجد من يؤمن بها تستطيع أن تصنع المستحيل.