عبدالرحيم عبدالباري
هناك مشروعات تُقاس مساحتها بالمتر، وأخرى تُقاس قيمتها بعدد الأرواح التي يمكن أن تمنحها فرصة جديدة للحياة، وتأتي وحدات زراعة النخاع في مقدمة النوع الثاني، باعتبارها خدمات طبية شديدة التخصص ترتبط بحالات مرضية لا تحتمل التأجيل الطويل، ولا تسمح بأن تظل قوائم الانتظار عائقًا أمام العلاج، لذلك فإن مناقشة الخطة الاستثمارية لأمانة المراكز الطبية المتخصصة لا تتعلق فقط بالأرقام والاعتمادات المالية، وإنما ترتبط بصورة مباشرة بقدرة الدولة على توسيع مظلة الرعاية الصحية، وتوفير خدمات علاجية متقدمة، وتحويل المشروعات المخططة إلى واقع يشعر به المريض وأسرته.

في هذا السياق، عقد الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، اجتماعًا بمقر الوزارة في العاصمة الجديدة، لمناقشة موقف الخطة الاستثمارية لأمانة المراكز الطبية المتخصصة للعام المالي 2026/2027، بحضور قيادات الوزارة المعنية، حيث استهل الاجتماع بمتابعة الموقف التنفيذي ومعدلات الإنجاز في تجهيز مستشفيات الأمانة لدعم خدمات زراعة النخاع وإنشاء وحدات جديدة، مؤكدًا ضرورة الإسراع في إنجاز هذا الملف، بما يسهم في تقليل قوائم الانتظار، وتوسيع نطاق إتاحة الخدمة، وتوفير رعاية طبية متخصصة للمرضى الذين يحتاجون إلى تدخلات علاجية دقيقة ومتكاملة.
وأوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، أن الاجتماع تناول أولويات مشروعات الأمانة، مع استعراض المنصرف الفعلي والالتزامات المالية والتدفقات المستهدفة للموازنة الاستثمارية، وهي ملفات تعكس أهمية تحقيق التوازن بين التخطيط المالي والتنفيذ الفعلي، فالمشروع الصحي لا يكتسب قيمته بمجرد اعتماده ضمن الخطة، وإنما بقدرته على الانتقال من مرحلة الدراسة والتخصيص إلى التشغيل وتقديم الخدمة، وهو ما يتطلب متابعة دقيقة لمعدلات الإنجاز، وتحديد العقبات، وضمان توافر الموارد اللازمة لاستكمال الأعمال وفق البرامج الزمنية المعتمدة.
كما ناقش الاجتماع الخطة الخمسية للمشروعات خلال الفترة من 2025 إلى 2030، والتي تستهدف تعظيم الطاقة الاستيعابية لأمانة المراكز الطبية المتخصصة، إلى جانب استعراض المشروعات المستهدفة خلال العام المالي المقبل، والتي تشمل ثلاث وحدات لزراعة النخاع وسبعة عشر مشروعًا آخر، وتمت كذلك مراجعة البرامج الزمنية للمشروعات الجاري تنفيذها، والبالغ عددها خمسة وثلاثين مشروعًا في ثلاث عشرة محافظة، بما يوضح اتساع نطاق خطة التطوير، وتعدد المسارات التي تعمل الوزارة على تنفيذها، سواء في مجال الخدمات العلاجية المتخصصة أو دعم البنية التحتية الصحية ورفع كفاءة المنشآت القائمة.
وامتدت المتابعة إلى عدد من المشروعات القومية، من بينها المدينة الطبية، ومدينة النيل للأطفال، ومستشفى جوستاف روسي، ومستشفى منوف، حيث تم استعراض معدلات العمل في هذه المشروعات باعتبارها مكونات مهمة في مسار تطوير الخدمات الصحية وزيادة القدرة على التعامل مع الاحتياجات العلاجية المتنوعة، وتبرز أهمية هذه المشروعات في ضرورة ربط الإنشاء والتطوير بجاهزية التشغيل، وتوفير الأجهزة والكوادر والتخصصات المطلوبة، حتى لا تظل المنشآت الصحية مجرد مبانٍ مكتملة، بل تتحول إلى مؤسسات قادرة على تقديم خدمة مستمرة وفعالة للمواطنين.
وفي جانب آخر، استعرض الاجتماع مبادرة «الجسر الطبي»، التي تستهدف توظيف تقنيات التحول الرقمي لرفع كفاءة منظومة التأمين الطبي في المحافظات الحدودية، وتعزيز التعاون الإقليمي، إلى جانب مناقشة محور التحول الرقمي بمستشفيات أمانة المراكز الطبية المتخصصة، حيث وجه الوزير بالتعاون مع الشركات العالمية العاملة في هذا المجال، بما يدعم تطوير البنية التكنولوجية وتحسين إدارة الخدمات والبيانات، ويساعد على تعزيز التواصل بين المنشآت الطبية، ورفع كفاءة الأداء الإداري والعلاجي، خاصة في المناطق التي تفرض طبيعتها الجغرافية تحديات أمام الوصول السريع إلى بعض الخدمات الصحية المتخصصة.
ولم يغفل الاجتماع الجانب المرتبط بالكوادر الطبية، إذ وجه الدكتور خالد عبدالغفار بإعداد تصور متكامل لتطوير سكن الأطباء ورفع كفاءته في جميع مستشفيات الأمانة، بما يليق بالعاملين داخل المنظومة الطبية، ويعزز بيئة العمل والاستقرار المهني، فرفع كفاءة المستشفيات لا يعتمد على الأجهزة والتجهيزات وحدها، وإنما يرتبط أيضًا بقدرة المنشأة على استقطاب الكوادر والحفاظ عليها، وتوفير الظروف المناسبة لأداء مهامها، خصوصًا في المستشفيات التي تقدم خدمات تخصصية أو تقع في محافظات تحتاج إلى دعم مستمر للفرق الطبية والفنية.
وتكشف تفاصيل الاجتماع عن توجه يربط بين الاستثمار في المنشآت الصحية والاستثمار في جودة الخدمة واستدامتها، إذ تتداخل مشروعات زراعة النخاع مع تطوير المستشفيات، والتحول الرقمي، ورفع الطاقة الاستيعابية، وتحسين ظروف الأطباء، بما يطرح مفهومًا أكثر شمولًا للتخطيط الصحي، لا يكتفي بزيادة عدد الوحدات أو المشروعات، وإنما يهتم بمدى جاهزيتها وقدرتها على الاستجابة الفعلية لاحتياجات المرضى، وتظل سرعة التنفيذ عنصرًا حاسمًا في هذا المسار، خاصة عندما يتعلق الأمر بخدمات علاجية قد يمثل الوصول إليها في الوقت المناسب فارقًا جوهريًا في حياة المريض.
وحضر الاجتماع الدكتور شريف مصطفى، مساعد الوزير لشؤون المشروعات القومية، والدكتورة مها إبراهيم، رئيس أمانة المراكز الطبية المتخصصة، والدكتور محمد رمضان، رئيس الإدارة المركزية للأمانة العامة، والدكتور أحمد رزق، نائب رئيس الأمانة، والدكتور أحمد ماهر، المدير المالي والإداري، والدكتور حاتم حمدي، مسؤول المشروعات بالأمانة، حيث تأتي هذه المتابعة في إطار العمل على ضبط أولويات الخطة الاستثمارية، ومراجعة معدلات التنفيذ، ودعم المشروعات التي تستهدف توسيع نطاق الخدمات الطبية المتخصصة، بما يضمن توجيه الموارد إلى احتياجات صحية حقيقية، وتحقيق أثر ملموس على مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين.