بقلم: أمير فيصل أمين عام حزب الغد في سوهاج
في مقهى صغير بحي شعبي، يجلس أربعة أصدقاء إلى طاولة واحدة ولا يتبادلون كلمة كل منهم غارق في شاشته، يضحك على مقطع لا يراه الآخرون، أو يعلّق على منشور لم يسمع به جاره.. صار المشهد مألوفاً حتى لم نعد نراه غريباً، مع أنه يلخّص تحولاً عميقاً في طريقة تكوّن الوعي لدى جيل كامل.
والأرقام تشرح حجم الظاهرة فقد تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت في مصر 98 مليوناً في نهاية 2025، أي أكثر من ثلثي السكان، بحسب «ديتاريبورتال»، ويقارب مستخدمو تيك توك من البالغين وحدهم 41 مليوناً في أرقام نُشرت هذا العام وفي بلد فتيّ التركيبة، لم تعد الشاشة وسيلة ترفيه جانبية، وإنما صارت المعلّم غير الرسمي الذي يجالس الفتى ساعات أطول مما يجالسه المدرّس.
أول ما تغيّره هذه الشاشة مقياس النجاح.. كان الشاب يزن نفسه بما يراه حوله.. جار نجحت تجارته، وقريب صار طبيباً أما اليوم فيقارن نفسه بمن يعرض حياته منتقاةً ومصقولة على مدار الساعة، فيبدو له عمله البسيط هزيلاً وراتبه ضئيلاً ومع كل مقطع عن مليونير في العشرين، يترسخ الإحساس بأن الطريق الطويل، من دراسة ثم وظيفة ثم ادخار، طريق الحمقى وهنا تولد قيمة جديدة اسمها الشهرة السريعة، تُقاس بعدد المشاهدات لا بقيمة ما يُقدَّم.
ويدخل السوق على الخط فحين يتحول الشاب إلى جمهور، يتحول إلى زبون.. إعلانات تلاحقه بحسب ما يشاهد، وصنّاع محتوى يروّجون السلع بوصفها نمط حياة، وشعور خفي بأن الكرامة تُشترى بالماركة والهاتف الأحدث وهكذا تنتقل الرغبة من الضروري إلى المشتهى، وتغدو القناعة، تلك الفضيلة القديمة، شعوراً بالنقص لا بالرضا.
وينعكس ذلك على السلوك اليومي. صار بعضهم يصوّر الحادث قبل أن يسعف المصاب، ويكتب الرأي الحاد قبل أن يتحقق من الخبر، لأن المنصة تكافئ السرعة والانفعال وتعاقب الهدوء بالتجاهل والخوارزمية لا تسأل: أصادق هذا أم كاذب؟ إنما تسأل فقط: هل أبقى المشاهد أطول؟
ولا تتوقف التحولات عند حدود الفرد ففي البيت المصري كان الأب أو الجدّ مرجع الحكمة، والمدرّس مرجع المعرفة الآن يعود الابن من المدرسة ليصحح لأبيه معلومة صحية التقطها من مقطع، وتستشير الفتاة صانعة محتوى لم تلتقِها قط في أمر يخص حياتها، وتتقدم عبارة «شفتها على تيك توك» على عبارة «قال الكبار» لم تسقط سلطة الأسرة بضربة واحدة، بل تآكلت مقطعاً بعد مقطع، وتركت فراغاً يملؤه من يجيد الظهور لا من يجيد النصح.
ولعل الوجه الألطف لهذا التحول أنه أنعش اللهجة والنكتة والسخرية فالميم الذي ينتشر في ساعة يكشف من خفة الدم المصرية ما لم تكشفه صحف بأكملها، ويصنع لغة مشتركة بين شاب في أسوان وآخر في الإسكندرية غير أن الوجه الأثقل هو تفتّت الانتباه فمن اعتاد مقطعاً لا يتجاوز نصف دقيقة يضيق صدره بصفحة كتاب، وتصير القراءة الطويلة عنده عبئاً لا متعة.
وفي الظل مخاطر لا يعرفها الأهل إلا بعد وقوعها فالمجلس القومي للطفولة والأمومة يحذّر من التنمر الإلكتروني والابتزاز والاستغلال، وهي أوجاع تبدأ بصورة عابرة وتنتهي بطفل يخفي خوفه في صمت ثم إن الشاب الذي يقضي ليله على الشاشة يستيقظ متعباً، ومن يقيس قيمته بإعجابات الغرباء يهتز حين تخذله الأرقام.
لكن الحكم القاطع ظلم فالمنصات نفسها منحت شاباً في قرية نائية منبراً لم يكن ليحلم به، وفتحت لخريجة في مدينة صغيرة سوقاً عالمية تعمل فيها من بيتها، وأنقذت طلاباً تعثروا في الفهم بدروس مجانية وقد درّبت مبادرة «أجيال مصر الرقمية» نحو 277 ألف متدرب حتى الآن، منهم أكثر من 156 ألفاً في 2025 وحده فطريق المهارة موجود، إلا أن الخوارزمية لا تدلّ عليه.
وقد التفتت الدولة إلى الجانب المظلم متابعة التحذيرات السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي حين دعا إلى دراسة تشريعات تحدّ من استخدام الأطفال للمنصات على غرار بريطانيا وأستراليا، ووصف مجلس النواب المشهد بـ«الفوضى الرقمية» وأُعلن أن مشروع القانون الذي أعدته وزارة الاتصالات يتجه إلى البرلمان قريبا، بضوابط عمرية وآلية للتحقق من السن وأدوات رقابة للأهل وحظر استهداف القاصرين بالإعلانات وهو ما ذكرنا به تقرير لمركز حكومي عام 2024 أن نحو نصف الأطفال دون الثامنة عشرة في مصر يستخدمون هذه المنصات.
المنع وحده كمن يسدّ صنبوراً ويترك الماء يتدفق من ثقب آخر فالطفل الذي يُحرم من منصة يجد بديلاً، والمراهق الذي لا يجد في الشاشة ما يلبّي طموحه سيبحث عنه فيما لا نحب ولذلك يبدو الرهان الأذكى أن نصنع ما يستحق المشاهدة، لا أن نكتفي بحجب ما لا يستحقها.
وهناك أفكار قابلة للتنفيذ لا تحتاج إلى معجزات أولها أن تصير «التربية الإعلامية» مادة حقيقية في المدارس، تعلّم التلميذ كشف الصورة المفبركة والخبر المفتعل، خصوصاً مع أدوات الذكاء الاصطناعي التي حذّر الرئيس من استغلالها في فبركة السيناريوهات وثانيها شراكة بين وزارتي التعليم والاتصالات وصنّاع محتوى معروفين لتقديم المعرفة بالخفة نفسها التي تنتشر بها التفاهة فالمعلّم الذي يشرح قانون نيوتن في دقيقة ونصف يصل إلى ما لا يصل إليه كتاب وثالثها مدارس لصنّاع المحتوى تعلّمهم أن الربح ممكن بلا ابتذال، وتربطهم بمنصات العمل الحر.
ورابعها حملات شبابية للتطوع والتبرع تُدار على المنصات ذاتها، فالشباب أقدر الناس على حشد أقرانهم متى وُجدت قضية تستحق وخامسها تدريب المعلمين والآباء أنفسهم، إذ يستحيل أن نحمي جيلاً ونحن أبعد الناس عن لغته وللمنصات نصيب من المسؤولية: أن تكفّ عن ملاحقة القاصرين بالإعلانات، وأن تمنح المحتوى النافع فرصة في الظهور وآخر الأفكار، وهو الأصعب، أن تعود الأسرة إلى المائدة: ساعة بلا هواتف تعيد الحوار قبل أي قانون.
الشاشة لا تصنع الوعي وحدها ولا تهدمه وحدها، هي مرآة مكبّرة لما نضعه أمامها. وإذا أردنا جيلاً يشاهد المعنى، فعلينا أن نسبق الخوارزمية إلى قلبه، لا أن نلحق به بعد أن ضاع.