عبدالرحيم عبدالباري
لم تكن حملة الرقابة بمدينة العبور في القليوبية مجرد جولة تفتيش انتهت بإغلاق عدد من المنشآت، وإنما كشفت عن جانب شديد الحساسية في ملف علاج الإدمان والطب النفسي، يتعلق بوجود منشآت تستقبل مرضى وتقدم خدمات علاجية دون استيفاء الضوابط القانونية والصحية اللازمة، حيث أعلنت وزارة الصحة والسكان إغلاق 16 مركزًا غير مرخص، بعد رصد مخالفات تتصل بالتراخيص والإدارة الطبية ومكافحة العدوى والتجهيزات والتعامل مع النفايات الخطرة، وهي اشتراطات لا ترتبط بالشكل الإداري للمنشأة فقط، وإنما تمس بصورة مباشرة سلامة المرضى وجودة الرعاية المقدمة لهم.
وجاءت الحملة تنفيذًا لتوجيهات الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، بتكثيف الرقابة على المنشآت الطبية غير الحكومية، في إطار متابعة مدى التزامها بالاشتراطات الصحية والقانونية، وشارك فيها مفتشو إدارة العلاج الحر بمديرية الشئون الصحية، بالتعاون مع المجلس القومي للصحة النفسية، وأسفرت عن ضبط المراكز المخالفة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالها، بما يؤكد استمرار الرقابة على المنشآت التي تقدم خدمات علاجية خارج الإطار الرسمي المعتمد.
وشملت المراكز التي جرى إغلاقها: الندى، والمستقبل، والأندلس، والتفاؤل، وطريق الحياة، والثقة، والطموح، وأمل جديد، والمسار، والنجاة، وبسمة أمل، والبسام، والبركة، والبدر، والسويسة، والرحمة، وفق ما أعلنته وزارة الصحة، فيما أوضح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي للوزارة، أن الحملات تستهدف التأكد من التزام المنشآت غير الحكومية بالاشتراطات المنظمة لممارسة النشاط، خاصة في المجالات التي تتعامل مع حالات صحية تحتاج إلى رعاية متخصصة ومتابعة مهنية مستمرة.
وكشفت نتائج التفتيش عن مخالفات متعددة، كان من أبرزها عدم وجود مدير فني، ومزاولة النشاط دون الحصول على التراخيص اللازمة، إلى جانب أوجه قصور في إجراءات مكافحة العدوى، وعدم توافر بعض التجهيزات المطلوبة، وغياب السجلات المنتظمة، فضلًا عن مخالفات تتعلق بالتعامل مع النفايات الخطرة، وهي مجموعة من المخالفات التي تعكس أن المشكلة لا تتوقف عند غياب الترخيص، وإنما تمتد إلى بيئة تقديم الخدمة نفسها ومدى قدرتها على توفير رعاية آمنة ومنضبطة للنزلاء.
وأكد الدكتور هشام زكي، رئيس الإدارة المركزية للمؤسسات العلاجية غير الحكومية والتراخيص، اتخاذ الإجراءات القانونية حيال المنشآت المخالفة، مع استمرار الحملات الرقابية على مستوى المحافظات، وهو ما يضع ملف مراكز علاج الإدمان ضمن نطاق المتابعة المستمرة، خاصة أن طبيعة الحالات التي تستقبلها هذه المنشآت تتطلب وجود إدارة طبية مؤهلة، وتجهيزات مناسبة، ونظم واضحة لمكافحة العدوى والسلامة والتعامل مع الحالات الطارئة.
ومن جانبه، أوضح الدكتور أحمد النحاس، رئيس الإدارة المركزية للأمانة الفنية للمجلس القومي للصحة النفسية، أن المراكز المخالفة لم تلتزم بأحكام قانون تنظيم المنشآت الطبية غير الحكومية رقم 51 لسنة 1981 وتعديلاته، وقانون الصحة النفسية رقم 71 لسنة 2009، إلى جانب اشتراطات مكافحة العدوى وقانون البيئة، مشيرًا إلى أن مخالفة هذه الضوابط قد تعرض النزلاء لمخاطر صحية، وهو ما يجعل الرقابة على هذا النوع من المنشآت ضرورة لحماية المرضى وضمان حصولهم على الخدمة داخل إطار قانوني وطبي واضح.
وبالنسبة للمواطن، فإن الواقعة تحمل رسالة عملية مهمة قبل إيداع أحد أفراد الأسرة في أي مركز لعلاج الإدمان أو الطب النفسي، وهي ضرورة التأكد أولًا من أن المنشأة مرخصة وتعمل وفق القواعد المنظمة، وعدم الاكتفاء بالإعلانات أو التوصيات الشخصية، كما يمكن الاستفسار عن الجهة الطبية المسئولة وطبيعة الخدمة المقدمة، وفي حال وجود شكوى أو اشتباه في منشأة مخالفة، يمكن التواصل مع المجلس القومي للصحة النفسية عبر الخط الساخن 01207474740 اتصالًا أو من خلال تطبيق واتساب، أو عبر الصفحات الرسمية للمجلس على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتؤكد الحملات الرقابية أن علاج الإدمان لا ينبغي أن يتحول إلى مجال مفتوح أمام منشآت تفتقد الحد الأدنى من الضوابط، فالمريض في هذه الحالة لا يحتاج فقط إلى مكان للإقامة، وإنما إلى خدمة علاجية تقوم على أسس طبية ونفسية وقانونية واضحة، ومن هنا تأتي أهمية استمرار التفتيش والتعامل الحاسم مع المنشآت غير المرخصة، بالتوازي مع رفع وعي الأسر بحقوق المرضى وضرورة اختيار الجهات المعتمدة، حتى لا تتحول رحلة البحث عن العلاج إلى مصدر جديد للخطر.