في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه الاقتصاد المصري تظل تقلبات سعر الدولار أحد ابرز العوامل المؤثرة فى تكلفة الانتاج وقدرة الشركات على الاستمرار والتوسع خاصة فى القطاعات الصناعية التي تعتمد بدرجات متفاوتة على استيراد الخامات ومستلزمات الانتاج من الخارج .
ان ارتفاع سعر الدولار لا ينعكس فقط على اسعار السلع المستوردة بل يمتد تأثيره الى تكلفة التشغيل والتمويل وتدبير احتياجات المصانع وهو ما قد يدفع بعض الشركات الى تقليص معدلات الانتاج أو تأجيل خطط التوسع والاستثمار , اذا اصبحت تكاليف الانتاج أعلى من قدرة السوق على استيعاب الزيادات السعرية .وتأتى الصناعات الصغيرة والمتوسطة فى مقدمة القطاعات الاكثر تعرضا لهذه الضغوط نظرا لمحدودية قدرتها على تحمل الصدمات المتتالية فى تكاليف الانتاج مقارنة بالشركات الكبرى التى تمتلك قدرات مالية وتسويقية اوسع .
ومن هنا فإن التعامل مع أزمة الدولار لا ينبغي ان يقتصر على متابعة سعر الصرف وإنما يجب ان يمتد الى معالجة الاسباب التى تجعل الصناعة المحلية شديدة التأثير بالتقلبات الخارجية .
على الحكومة ان تعمل خلال الفترة المقبلة على ضمان توافر العملة الاجنبية اللازمة لاستيراد مستلزمات الانتاج الاساسية خصوصا فى القطاعات التى تمتلك فرصا حقيقية لزيادة الانتاج المحلى والتصدير
فإتاحة الخامات والمكونات الصناعية فى الوقت المناسب تساعد المصانع على الحفاظ على معدلات التشغيل وتمنع حدوث اختناقات فى سلاسل الامداد وتحد من تعطل خطوط الانتاج أو ارتفاع تكاليفها بصورة غير مبررة .
كما أن الاولوية يجب ان تكون للمدخلات التى تسهم فى استمرار العملية الانتاجية وتدعم القطاعات القادرة على توفير فرص العمل وزيادة القيمة المضافة وتوليد النقد الأجنبي .
ولا يعنى ذلك اغفال بقية احتياجات الاقتصاد وإنما يتطلب ادارة أكثر كفاءة للموارد المتاحة وفقا لأولويات الانتاج والتشغيل والتصدير
ان تعزيز التصنيع المحلى يمثل احد أهم الحلول المستدامة لتقليل حساسية الصناعة تجاه تقلبات سعر الدولار والاسعار العالمية .
فكلما ارتفعت نسبة المكون المحلى في المنتجات تراجعت درجة تعرض المصنع للصدمات الخارجية المرتبطة بسعر الصرف وانخفضت حاجته الى استيراد بعض الخامات والمكونات التى يمكن انتاجها محليا بكفاءة وجودة مناسبتين .
وهنا تبرز اهمية تبنى سياسة صناعية تستهدف تعميق التصنيع المحلى من خلال دعم الصناعات المغدية وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتطوير التكنولوجيا الصناعية وربط البحث العلمي باحتياجات المصانع . .. كما ينبغي تشجيع إقامة مشروعات لإنتاج مستلزمات الانتاج التى تستوردها مصر بكميات كبيرة متى توافرت الجدوى الاقتصادية والقدرة التنافسية بدلا من استمرار الاعتماد على الاستيراد فى كل مرحلة من مراحل التصنيع , ان بناء قاعدة صناعية قوية لا بتحقق بمجرد انشاء المصانع وإنما يتطلب اقامة شبكة متكاملة من الصناعات التى تغذى بعضها بعضا بحيث تصبح الصناعة المصرية قادرة على توفير جانب أكبر من احتياجاتها محليا . مع التوسع فى الاسواق الخارجية .
ان مواجهة تقلبات الدولار لا تكون بالاعتماد على الاجراءات النقدية وحدها وإنما ببناء اقتصاد انتاجى قادر على توفير احتياجاته الأساسية وزيادة صادراته وتقليل اعتماده على الاستيراد .
فالصناعة الوطنية ليست مجرد وسيلة لتوفير السلع وفرص العمل بل هى ركيزة اساسية لتحقيق الاستقرار الاقتصادى وتخفيف الضغوط على العملة الاجنبية وتحسين مستوى معيشة المواطنين .
والسؤال الذى يفرض نفسه : كيف يمكن للاقتصاد المصرى أن يتجاوز أزمة الدولار بصورة مستدامة أذا لم تضع الانتاج والتصنيع المحلى فى مقدمة أولوياتنا ؟